التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٥ - التكفير بين العموم والخصوص!
التكفير بين العموم والخصوص!
أمّا تكفير الحسنات للسيّئات- إجماليا- فممّا لاشكّ فيه، نظرا لصراحة القرآن المجيد والسنّة المتواترة في ذلك. لكن هل هذا التكفير عام في جميع الحسنات وبالنسبة إلى جميع السيّئات إطلاقا، أم هناك شروط وقيود وتفصيل؟
لانستطيع- ونحن نرى العدل والحكمة في ذاته المقدّسة- أن نلتزم بعموم التكفير بصورة مطلقة، إذ أقلّ نتيجة لهذا الالتزام هو اجتراء أهل الكبائر على اقتراف الذنوب والآثام من غير مامبالاة. فليرتكب المذنب ماترغب إليه نفسه الخبيثة بصورة مستمرّة عبر الليالي والأيّام، بل على مرّ الساعات والآنات، مقتنعا بنفسه أنّه ملتزم بالصلاة والصدقات، لقوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ»![١]
ولعلّ عمربن سعد- مع اعترافه بمآثم قتل ابن رسولاللّه صلى الله عليه و آله كان ممّن يميل إلى هذا المذهب المنحرف في قوله:
|
فإن صدّقوا فيما يقولون أنّني |
أتوب إلى الرحمان من سنتين[٢] |
|
الأمر الذي ينكره الوجدان الشريف، ويرفضه دأب العقل الرشيد، فضلًا عن منافاته لمقام عدله تعالى وحكمته فيالتكليف والبعث والزجر والوعد والوعيد.
وفي حديث الإمام أبيعبداللّه الصادق عليه السلام مع أحد الصوفية دلالة واضحة على فساد هذا المذهب العامي:
قال عليه السلام: «إنّ من اتّبع هواه واعجب برأيه كان كرجل سمعتُ غثاء العامّة تُعظّمه، فأحببت لقاءه من حيث لايعرفني. فتبعتُه يوما فمرّ بخبّاز فتغفّله وسرق منه رغيفين. ثمّ مرّ بصاحب رمّان فاختطف منه رمّانتين، فتعجّبتُ وقلتُ في نفسي: ماحاجته إلى هذه السرقة! ثمّ لم أزل أتّبعه حتى مرّ بمريض فوضع الرغيفين والرّمّانتين بين يديه!
[١] - هود ١١٤: ١١.
[٢] - أسرار الشهادة عن مقتل ابنمخنف، ص ٢٣٢؛ وتجد صدر الأبيات في كامل ابنالأثير، ج ٣، ص ٢٨٣؛ ومناقب ابن شهرآشوب، ج ٤، ص ٩٨.