التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٤ - هل في آيات الحبط عموم؟
النبوّة، وربما إلى إنكارها، واعتبار النبيّ كأحدهم من سائر الناس، لامزيّة له ولامنزلة شامخة، وهو في حدّ الكفر والارتداد وربما بلغه المرتكب لاعن شعوره.
يدلّ على ذلك شواهد من السورة نفسها:
أوّلًا- قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ».[١] كان أحدهم يتقدّم على رسول اللّه في المشي استكبارا بنفسه واستعظاما لزعامته على أفراد قبيلته كان يحسبهم كثرة ذوي عزّة، تجاه قبيلة النبيّ ذات قلّة في نظرهم. وهي إهانة بمقام النبيّ العظيم بلا شكّ. ومن ثمّ حذّرهم تعالى بقوله: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» أي احذروا نكال هذه الرذيلة السيّئة وهذا الذنب الخطير المؤدّي إلى الكفر والارتداد أحيانا.
ثانيا- قوله: «كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ»[٢] يدلّ على أنّهم كانوا يحسبون من شموخ مقامه المنيع صلى الله عليه و آله متماثلًا معهم وفي مستواهم الهابط من الكرامة والفضيلة الأمر الذي هو إزراء بشأنه صلى الله عليه و آله.
ثالثا- قوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى»[٣] تعريض بأنّ الذين يخالفون هذا الأدب الإسلامي هم ذووا قلوب جافّة قاسية لم ترضخ لشريعة اللّه ومن ثمّ فلم تتمرّن على التقوى والخشية التي هي من لين القلوب، فهم إلى العتوّ والاستكبار أقرب منه إلى الخضوع والاستسلام.
رابعا- قوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ».[٤] أي تمكّن الجهل والعماء من قلوبهم فلم يستعدّوا بأنفسهم للرضوخ إلى تعاليم الإسلام القيّمة.
وأخيرا- فقوله: «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ»[٥] يعني أنّ سوء الأدب بمقام النبوّة سوف يؤدّي إلى الارتداد الفظيع، من غير أن تشعروا بالسقوط تدريجيا إلى مهواه السحيق.
[١] - الحجرات ١: ٤٩.
[٢] - الحجرات ٢: ٤٩.
[٣] - الحجرات ٣: ٤٩.
[٤] - الحجرات ٤: ٤٩.
[٥] - الحجرات ٢: ٤٩.