التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - هل في آيات الحبط عموم؟
مشروط بأن يعلم اللّه منه أنّه يموت على الإيمان، والعقاب على الكفر والفسوق مشروط بأن يعلم اللّه أنّه لايسلم ولايتوب. وبذلك أوّلوا الآيات الدالة على الإحباط والتكفير».[١]
قال شيخ الطائفة قدس سره في تفسير الآية: «ثمّ أمرهم- ثانيا- بأن قال: «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» على وجه الاستخفاف به صلى الله عليه و آله. فإنّ مجاهدا وقتادة قالا: جاء أعراب أجلاف من بنيتميم فجعلوا ينادون وراء الحجرات: يامحمّد، اخرج إلينا. ولو أنّ إنسانا رفع صوته على صوت النبيّ صلى الله عليه و آله على وجه التعظيم له والإجابة لقوله، لم يكن مأثوما. وقد فسّر ذلك بقوله «وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ» فإنّ العادة جارية: أنّ من كلّم غيره ورفع صوته فوق صوته، أنّ ذلك على وجه الاستخفاف به، فلذلك نهاهم عنه».[٢]
وبعد فلعلّ الآية بذاتها ظاهرة فيما نقوله، وأنّ الحبط فيها يمسّ جانب رذيلة الاستخفاف بمقام النبيّ الكريم صلى الله عليه و آله، المفضي في نهاية الأمر إلى الارتداد شيئا فشيئا، وإن كان صاحبه لايشعر بذلك، حيث التعوّد عليه تدريجيا.
ذلك أنّ الإنسان إذا ارتكب رذيلة ممّا لم يرتكبها من قبل، ندم عليها أشدّ الندم، لكنّه إذا ارتكبها مرارا فإنّ خشيته تقلّ وخوفه يتضاءل ولا يندم كندمه في البدء، وربما أوجب التكرار عادة يعتادها الإنسان من غير أن يحسّ بقبحها شيئا فشيئا. فعلى الإنسان السائر في طريق التهذيب والكمال أن يسدّ على نفسه أبواب المعاصي في أوائل أمرها، حيث الانقلاع في بدء الأمر هيّن وفي الغضون صعب. وربما ينتهي الأمر إلى مالايراه قبيحا أو ذنبا مستنكرا.
و عليه فلا شكّ أنّ رفع الصوت فوق صوت النبيّ صلى الله عليه و آله والجهر له بالكلام بما يشبه الصياح، خلاف الأدب، واستهانة بمقامه الكريم، وهي رذيلة قبيحة تؤدّي بصاحبها تدريجيا- إذا أصرّ عليها- إلى الاستخفاف به صلى الله عليه و آله واستحقاره والتنزّل بمقامه السامي إلى درجة العبيد والأرقّاء- العياذ باللّه- الأمر الذي ينتهي في نهاية المطاف إلى استصغار مقام
[١] - بحارالأنوار، ج ٥، ص ٣٣٢.
[٢] - التبيان، ج ٩، ص ٣٣٨.