التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٢ - هل في آيات الحبط عموم؟
وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ».[١]
قلت: إذا كان من شرط الصدقة- وهي عبادة- قصد الخلوص والقربة إلى اللّه لأنّها إنفاق في سبيل اللّه، فإنّ المنّة على المتصدّق عليه مناقضة صريحة لماهيّة الصدقة وقلب لها من كونها قربة إلى كونها رياء وسمعة، فضلًا عن كونها أذى وهتكا لشخصية مسلمة كريمة.
فالصدقة مع المنّة ليست بصدقة في حقيقتها، ومن ثمّ فلا حسنة كي تمحقها سيّئة، فلا موضوع في الآية لمسألة الإحباط!
وهذا نظير ماكان أحد الصوفية يرتكبها، كان يسرق ثمّ يتصدّق به، زاعما أنّ الحسنة تقابل بالعشر والسيّئة بواحدة. فقال له الإمام عليه السلام: ويلك، أما قرأت: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».[٢] وسيوافيك الحديث في بحث «التكفير بين العموم والخصوص».
٤- وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ، كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ».[٣]
رجّح سيدنا الطباطبائي دلالة الآية الكريمة على الحبط، قال: ظاهر الآية أنّ رفع الصوت فوق صوت النبيّ صلى الله عليه و آله والجهر له بالقول، معصيتان موجبتان للحبط، الأمر الذي يدلّنا على أنّ غير الكفر من المعاصي- أيضا- يوجب الحبط.[٤]
قلت: لاشكّ أنّ أصحابنا الإمامية متّفقون على أن لاحبط في غير الموت على الكفر، لأنّه ظلم وقبيح- حسبما أسلفنا- ومن ثمّ ذهبوا جميعا إلى توجيه الحبط في الآية الكريمة بما يلتئم ومذهبهم في العدل.
قال العلامة المجلسي: «اعلم أنّ المشهور بين متكلّمي الإمامية بطلان الإحباط والتكفير، بل قالوا باشتراط الثواب والعقاب بالموافاة. بمعنى أنّ الثواب على الإيمان
[١] - البقرة ٢٦٢: ٢- ٢٦٣.
[٢] - المائدة ٢٧: ٥.
[٣] - الحجرات ٢: ٤٩.
[٤] - الميزان في تفسير القرآن، ج ١٨، ص ٣٣٥.