التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - هل في آيات الحبط عموم؟
خلاق له في الآخرة».[١] يعني ذلك الحظّ الأوفر الذي يناله المؤمن المعتقد المحافظ.
وعليه فقوله: «أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ» أي النصيب الأوفر التام. وأمّا غيرهم من المؤمنين القاصرين فإنّ نصيبهم من الآخرة قليل.
٢- وقال تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ، إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ».[٢]
ولعلّ متشبّثا يتشبّث بالتقييد الذي جاء في الآية الكريمة «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ...» قيدا لقوله: «وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى». فلا ينال أحدا مثوبات أعماله إلّا إذا كان مجتنبا للكبائر، الأمر الذي ينطبق على مذهب الإحباط، حيث السيّئة اللاحقة تذهب بالحسنات أدراج الرياح!
قلت: هذا بناء على اعتبار «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ» بيانا من «الَّذِينَ أَحْسَنُوا» فيكون قيدا له. لكن قد يستشكل: كيف يصلح الفعل المستقبل بيانا لفعل الماضي؟! ومن ثمّ رجّح بعضهم كونه مستأنفا به، أي هم الذين يجتبون ... الخ، أو يكون الموصول مبتدأ محذوف الخبر، مدلولًا عليه بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ».
وعلى كلّ تقدير: ففي التحوّل من لفظ الماضي أوّلًا إلى لفظ المضارع ثانيا نكتة لطيفة، هي ملاحظة مالجانب الفعل المضارع من دلالته على الدأب والاعتياد الحاصل بالغلبة والأكثرية، الأمر الذي لايثلمه الخروج عنه مرّة أو مرّتين مثلًا. فمن كان من عادته المشي بعد الأكل عادة حاصلة بالأغلب، يصحّ في شأنه أن يقال: أنّه يمشي بعد الأكل.
ولايضرّ بهذا الإطلاق أن لايمشي بعد الأكل أحيانا، إذا لم يخالف عادته رأسا.
فالمؤمن المعتقد هو الذي يلتزم على نفسه بأن يجتنب المعاصي ولايقتربها ولايضرّه الاقتراف أحيانا على خلاف المعتاد. وهذا يصدق بشأنه «أنّه يجتنب الذنوب» أي يحاول بكلّ جهده اجتنابها وإن كان قد تعاكسه الظروف رغم عادته.
ومن ثمّ قال تعالى- بشأن المؤمنين فيما يخصّ جانب تركهم للمعاصي-: «وَ الَّذِينَ
[١] - المسند، ج ١، ص ٤٦.
[٢] - النجم ٣١: ٥٣- ٣٢.