التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٩ - هل في آيات الحبط عموم؟
وأيّامهم وأنسابهم فتفاخروا، فأنزل اللّه ... الخ.
وعن ابن الزبير: كان الناس في الجاهية إذا وقفوا بالمشعر الحرام دعوا فقال أحدهم:
اللّهم ارزقني إبلًا، وقال الآخر: اللّهم ارزقني غنما، فأنزل اللّه ... الخ.
وعن السدّي: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقامت بمنى، لايذكر اللّه الرجل منهم، وإنّما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في الدنيا.[١]
وعن الإمام أبيجعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام: أنّهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون بالآباء، وبمآثرهم، ويبالغون فيه.[٢]
هذا فيما لو كانت الإشارة في «اولئك» إلى خصوص الفئة الثانية، أمّا لو أرجعناها إلى كلتا الطائفتين، كان المعنى: أنّ لكلّ نصيبه حسبما يبتغيه إن دنيا وإن آخرة، نظير قوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ. وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ».[٣]
بل وحتى المؤمن إذا كان همّه الدنيا كانت هي نصيبه من حظّ الحياة، ولاحظّ له في الآخرة، ذلك الحظّ الأوفر. حيث قصور نظره وابتذال همّته. كما روي في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا. أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ»[٤] أنّها نزلت فيمن أخذ مالًا بيمين فاجرة.[٥] فهؤلاء، وإن كانوا مؤمنين بحسب الظاهر، لكنّهم في واقع باطنهم لاطمع لهم في الآخرة كما روي عن النبي صلى الله عليه و آله: «إنّ اللّه يؤيّد هذا الدين بأقوام لاخلاق لهم»[٦] يعني المجاهدين في سبيله لأطماع دنيوية لاعقيدة لهم راسخة، وربما كانوا متظاهرين بالإسلام. وكما روي- أيضا- أنّه صلى الله عليه و آله قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلا
[١] - جامع البيان، ج ٢، ص ١٧٤؛ والدرّ المنثور، ج ١، ص ٢٣٢؛ وأسباب النزول للواحدي، ص ٣٤.
[٢] - التبيان، ج ٢، ص ١٧٠؛ ومجمع البيان، ج ٢، ص ٢٩٧؛ والصافي في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٧٨؛ وتفسير العياشي، ج ١، ص ٩٨.
[٣] - الشورى ٢٠: ٤٢.
[٤] - آلعمران ٧٧: ٣.
[٥] - تفسير البرهان، ج ١، ص ٢٩٢؛ ومجمع البيان، ج ٢، ص ٤٦٣؛ والدرّ المنثور، ج ٢، ص ٤٤.
[٦] - التفسير الكبير، ج ٥، ص ١٨٧.