التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٤ - مسألة الحبط والتكفير
وهكذا المسيء يستحقّ عقوبة لذاته وليس لمجرّد الوعيد، ولعلّ استحقاق المسيء إجماعي، حيث تمرّده وكفرانه نعم المولى معا.
الثانية: هل المثوبة والعقوبة تقتضيان الدوام والأبدية؟ فلا مثوبة إلّا وهي دائمة ولا عقوبة إلّا وهي خالدة؟!
قالت المعتزلة: نعم! ومن ثمّ جعلوا من الفاسق خالدا في النار.
ودليلهم على ذلك هو: قياس المثوبة والعقوبة بالمدح والذمّ، فكما أنّهما دائميان، كذلك لازمهما من الثواب والعقاب. قالوا: ولأنّه إذا انقطع عقاب العاصي ودخل الجنّة كان ذلك تفضّلًا عليه، ولا تفضّل على المكلّفين، وإنّما هو خاصّ بالأطفال والمجانين.[١]
وبهذه الطريقة حاولوا إثبات الإحباط، لئلّا يعود المعاقب على معصيته مثابا على طاعته، فينتقض دوام العقاب بشأنه، كما يكون ثوابه المتأخّر تفضّلًا فيما زعموه. وهذان ممّا يتحاشونهما البتة.[٢]
قلنا: لاخلود في النار إلّا للكفّار،[٣] أمّا العصاة من المؤمنين الّذين احتفظوا بإيمانهم حتّى الممات فمرجون لأمر اللّه، إمّا يعذّبهم حسب استحقاقهم، عذابا يتناسب مع نوعية العصيان الذي ارتكبوه، وإمّا يتوب عليهم واللّه عليم حكيم.[٤]
قال تعالى- بشأن العصاة من المؤمنين-: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».[٥] قوله: «اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ» اعترافا منبعثا عن إيمانهم باللّه، حيث المؤمن هو الذي يرى من أعماله السيّئة عصيانا له تعالى، فهو دليل على احتفاظهم باصول الإيمان، وإن كانوا قد ارتكبوا ما ارتكبوا من قبائح. الأمر الذي وفّر عليهم من شرائط الغفران.
وأمّا قياس الثواب والعقاب بالمدح والذمّ، ففي أصل الاستحقاق لاشكّ فيه. فمن
[١] - راجع: شرح الاصول الخمسة، ص ٦٦٦- ٦٦٧.
[٢] - انظر نفس المصدر، ص ٦٢٤.
[٣] - قال تعالى:« وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ». العنكبوت ٢٣: ٢٩. ونحن قد بحثنا عن جوانب مسألة الخلود في مجال التفسير.
[٤] - مقتبس من الآية الكريمة ١٠٦ من سورة براءة.
[٥] - التوبة ١٠٢: ٩.