التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - مسألة السعادة والشقاء
هذا أحد التأويلين في الآية الكريمة.
وهناك تأويل آخر أشار إليه شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي قدس سره قال: «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً» أي لم يحكم عليّ بالتجبّر والشقاء.[١]
وهذا كقولهم: جعله سارقا أي حكم عليه بأنّه سارق، بمعنى أنّه علم منه ذلك أو ثبت لديه أنّه سارق ومن ثمّ أبدى رأيه بشأنه ليكون معنى الآية على هذا التأويل: أنّه تعالى لمّا علم منه الخير والصلاح في الآجل، حكم عليه أنّه من السعداء الأتقياء. أي أبدى علمه بشأنه.
وأخيرا فلو كانت السعادة والشقاء من فعله تعالى المباشري أو التسبيبي[٢] من غير أن يكون لإرادة العبد واختياره الخاصّ مدخل في تحصيلهما واكتسابهما لم يكن موضع لمدح السعيد على سعادته، ولامجال لتوجيه اللائمة إلى الأشقياء. في حين أنّ جميع ماقاله عيسى عليه السلام بهذا الصدد، كلّه تحدٍّ وفخار، في جوّ يتلائم وتمدّح النفس بلا شائبة إعجاب، الأمر الذي لايخفى على النبيه الخبير.
٥- «وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا».[٣] أي خائبا محروما.
٦- «وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا»[٤] كذلك.
٧- «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها»[٥] أي أخبثها.
٨- «لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى».[٦] أي إلّا الخبيث المحروم، الممنوع من فيض رحمته تعالى، بسبب خطيئاته المتراكمة المحيطة به من كلّ جانب.
٩- وهكذا قوله: «وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى».[٧] ضمير التأنيث يعود على الذكرى، فالّذي يعرض عنها هو الخبيث الشقي والتعيس المحروم.
١٠- «إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ».[٨] أي سعيد منعم بلذائذ الحياة مرفّه عليه حسبما كان
[١] - التبيان، ج ٧، ص ١١١.
[٢] - حسبما قاله الفخر في آخر كلامه المتقدّم.
[٣] - مريم ٤٨: ١٩.
[٤] - مريم ٤: ١٩.
[٥] - الشمس ١٢: ٩١.
[٦] - الليل ١٥: ٩٢.
[٧] - الأعلى ١١: ٨٧- ١٢.
[٨] - القصص ٧٩: ٢٨.