التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٦ - مسألة السعادة والشقاء
أحدا لمقام رسالته إلّا إذا وجده صالحا لذلك، أمينا صادقا وفيّا. وليس تحميلًا في غير محلّ قابل ولا اعتباطا من غير حكمة وملاك.
وهكذا «جَعَلَنِي مُبارَكاً» أي زاد في عنايته تعالى بشأني، حيث النبيّ هو المعلّم النفّاع، فأينما يتوجّه فإنّ بشائر الخير والبركات تتقدّمه.
«وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ» أي أمرني بهما أمر تكليف.
و «بَرًّا بِوالِدَتِي» أي جعلني برّا بها، ومعنى جعلني برّا، وفّقني للقيام بخدمتها حيث وجدنى راغبا في أداء شكرها الواجب، فحيث أنّه تعالى مهّد له سبيل هذه المكرمة لما وجده محلًاّ قابلًا لها، نسبه إلى اللّه، حسبما مرّ في الحديث «إنّا أولى بحسناتك منك».
راجع شرحنا لهذه الفقرة.[١]
وكذلك قوله: «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا» أي لم يخذلني ولم يمنعني ألطافه الكريمة، كي أنخرط مع الجبابرة الأشقياء، بل منحني عناياته والمزيد من توفيقه حيث وجدني جادّا في طلب السعادة، فساعدني برحمته، وفق وعده الحتم «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا».[٢]
والخلاصة، أنّ معنى «لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا»: أنّه تعالى علم منّي الرغبة في التخضّع والبلوغ إلى عزّ السعادة، فساعدني على ذلك وزاد في توفيقه حتّى بلغتها بعنايته تعالى.
والجعل وإن كان بمعنى التكوين، لكن حيث كانت أصل الهداية إلى طرق السعادة، وكذا المعونة على الوصول إليها، حاصلة بفعله تعالى «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ»[٣] صحّت نسبة تكوين شخصيّة الإنسان المهتدية السعيدة إلى اللّه عزّ شأنه. فكأنّ شخصيّته الخاصّة متكوّنة بفعله تعالى، حيث جميع أسباب تكوينها والاهتداء إلى طرق تكوينها، كانت ممهّدة من جانبه تعالى، الأمر الذي لايستعدي جبرا ولا إكراها على هداية أو ضلال.
[١] - ص ١٥٩.
[٢] - العنكبوت ٦٩: ٢٩.
[٣] - الأعراف ٤٣: ٧.