التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٥ - مسألة السعادة والشقاء
٤- «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا».[١] هو من الشقاء بمعنى الخبث.
قال الإمام الرازي: وهذا- أيضا- يدلّ على قولنا (يعني كون الشقاء والسعادة من فعله تعالى يضعهما حيث يشاء) لأنّه لمّا بيّن أنّه جعله بَرّا وما جعله جبّارا، فهذا إنّما يحسن لو أنّ اللّه تعالى جعل غيره جبّارا وغير بارّ بامّه، فإنّ اللّه تعالى لو فعل ذلك بكلّ أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك، ومعلوم أنّه عليه السلام إنّما ذكر ذلك في معرض التخصيص.[٢]
وقال الإمام مالك: ما أشدّ هذه الآية على أهل القدر (يعني المعتزلة وسائر أهل العدل المنكرين للجبر) أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت.[٣]
هكذا زعم أهل الجبر من متفلسفة وحشوية أنّ العباد مضطرّون فيما يزاولون لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار. وإنّما هم مسيرون وفق ما فرض عليهم وقدّر لهم في الأزل.
وأمّا أهل العدل والتنزيه فأجروا الآية الكريمة على سياق نظائرها من إرادة عنايته تعالى الخاصّة بخلّص أولياءه الصالحين ومزيد ألطافه بشأنهم، لما علم منهم الصلاح والثبات والاستقامة، فأيّدهم ووفّقهم وجعلهم للمتّقين إماما.
قال الشيخ أبوعلي الطبرسي رحمه الله: «والمعنى: أنّي بلطفه تعالى وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي، متواضعا في نفسي، حتّى لم أكن من الجبابرة الأشقياء».[٤]
والدليل على صحّة هذا المعنى هو سياق الآية وانسجامها مع آيات قبلها وبعدها، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا. وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا. وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا».[٥]
فمعنى «آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا»: أنّه تعالى اختارني نبيّا. وليس اختياره تعالى
[١] - مريم ٣٢: ١٩.
[٢] - التفسير الكبير، ج ٢١، ص ٢١٥.
[٣] - تفسير القرطبي، ج ١١، ص ١٠٣.
[٤] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٥١٣.
[٥] - مريم ٣٠: ١٩- ٣٣.