التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٤ - مسألة السعادة والشقاء
كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته، وعلموا ذلك، لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر، وإلى العذر أقرب».
وقد ردّ عليهما الفخر الرازي- على مذهبه الأشعري الجبري- بأنّ طلبهم للّذّات إن كان باختيارهم فذلك الاختيار محدث، وكلّ محدث مفتقر إلى علّة خارجة عن ذاته، وليست سوى إرادة اللّه القديمة. ثمّ أخذ في الاستدلال على احتياج المحدثات إلى علل وهي تتسلسل إلى ذاته المقدّسة، حسب منهجه الخاصّ في إرجاع علل الموجودات حتّى الأفعال الاختيارية إلى إرادته تعالى الأزلية.
وقد أبطل أهل العدل هكذا استدلالات هي أشبه بسفاسف سوفسطائية، وأنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة تحت اختيارهم بالذات، متى ماشاؤوا فعلوا، ومتى لم يشاؤوا تركوا، حسبما أسلفنا في مسألة «الأمر بين الأمرين» وغيرها من مسائل مرتبطة.
وأمّا الّذي قاله الفخر في تفسير الآية فهو: إنّ المناظرة مع اللّه تعالى غير جائزة بل لايُسأل عمّا يفعل، فلاجرم قال لهم: «اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ».[١]
قلت: ولعلّه في هذه المحاولة رجّح الحجّة مع العصاة، وجعل من مقام قدسه تعالى حكومة ظالمة غير مسؤولة ولا متقيّدة بنظام العقل والحكمة. تعالى اللّه العدل الحكيم عن ذلك علوّا كبيرا.
٣- «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى».[٢] هذا هو الشقاء المعنوي، ومن ثمّ فسّروه بالشقاء الاخروي. والآية دليل على أنّه أثر الضلال عن هداه تعالى والإعراض عن آياته البيّنة. وليس أمرا مفروضا محتما على الأشقياء.
وجاءت كلمة «تشقى» قبل الآية برقم ١١٧ بمعنى الشقاء الظاهري «التعب والعناء»، ولكنّها في هذه الآية (١٢٣) جاءت بمعنى الشقاء المعنوي «الخباثة» وهذا من التقابل- إثباتا ونفيا- في كلمة واحدة بين معنييها المختلفين اعتبارا، وهو من الفنّ البديع.
[١] - انظر: التفسير الكبير، ج ٢٣، ص ١٢٤- ١٢٥.
[٢] - طه ١٢٣: ٢٠.