التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٢ - مسألة السعادة والشقاء
٢- «قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ».[١] بعد قوله تعالى موبّخا إيّاهم:
«أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ». فكأنّهم حاولوا بذلك إبداء الاستعذار، أي بلى تليت آياتك غير أنّ شقاءنا النفسي المسيطر على وجودنا ومشاعرنا، غلبنا ولم يدعنا نجيب دعوتك فضللنا!!
وربّما تمسّكت الأشاعرة بهذه الآية- أيضا- دليلًا على الجبر وعدم استطاعة العباد على الإيمان وعلى الاستقامة على طريق الهدى، إلّا أن يكون حافز من خارج ذاتهم، حسبما كتبه ربّ العالمين من سعادة أو شقاء!
ورووا عن مجاهد في قوله: «غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا» قال: الّتي كتبت علينا.[٢]
قال أهل العدل والتنزيه: هذا الذي رامه أهل الجبر تحريف بظاهر الآية وتأويل بمدلولها من غير ما سبب معقول. لأنّ ظاهر الآية الكريمة أنّ العصاة إنّما قالوا ذلك اعترافا منهم بعدم الحجّة لهم وأن لاعذر لهم في الإعراض والتولّي. بدليل أنّهم أضافوا الشقوة إلى أنفسهم (شقوتنا) الأمر الذي يدلّ على أنّ لهم في اكتسابها يدا، وأنّها كانت من صنيع أعمالهم السيّئة التي ارتكبوها.
ولو كانت الشقوة ممّا سجّلت عليهم في الأزل إلزاما وإلجاءا لكانت عذرا لهم البتة، ولكان لهم أن يقولوا: إنّها من صنيعك يا ربّنا ولا حجّة لك علينا.
والخلاصة أنّ الآية- حسب إقرار كبار المفسّرين وعلماء الأدب والبيان- ظاهرة في الاعتراف بإتمام الحجّة عليهم وأنّهم بسوء اختيارهم فعلوا ما فعلوا ومن ثمّ هم نادمون على ما فرّط منهم، راجين منه تعالى أن يمنّ عليهم بالعودة لإصلاح ما أفسدوه من قبل، واستدراك مافات. «رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ».[٣]
قال سيدنا الطباطبائي قدس سره: هذا اعتراف منهم بتمام الحجّة عليهم وكانت الشقوة شقوة
[١] - المؤمنون ١٠٦: ٢٣.
[٢] - رواها محمّد بنجرير الطبري بعدّة أسانيد، انظر: جامع البيان، ج ١٨، ص ٤٤.
[٣] - المؤمنون ١٠٧: ٢٣.