التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢١ - مسألة السعادة والشقاء
إذ لو لاحظنا من السعادة والشقاء أمرين مفروضين على العباد، فإنّ مسؤوليتهما تقع على الذي فرض عليهم- وهو اللّه تعالى حسب مزعومة الأشعري- وهذا بعينه الجبر. أمّا إذا اعتبرتا أنّهما من عمل العباد أنفسهم، وأنّهم بالعمل يسعدون أو يشقون، فمعناه أنّ المسؤولية ترجع إليهم بالذات لا إلى اللّه، كما عليه مذهب أهل العدل والتنزيه. إذن فإرجاع الأعمال إلى اللّه حينئذ، ليكون اللّه هو المسؤول عن أفعال العباد- كما يرومه القائل بالجبر- يكون ذلك عودا إلى القول الأوّل، وسلب المسؤولية عن العباد تجاه أعمالهم وما يستتبعها من سعادة وشقاء، لا شيء آخر!
وكم لإمام المشكّكين وشيخه الأشعري أمثال هذه المغالطات المفضوحة!
أمّا مدلول الآية الكريمة بالذات فإنّ الشقاء والسعادة فيها يعنيان سوء الحال وحسنه ذلك اليوم، أي فمنهم التعيص المتضايق عليه بالعذاب وشدّة المؤاخذة ومصيره إلى النار، ومنه الفاره المنعم عليه بالثواب ورفق اللطف به ومآله إلى الجنّة. نظير قوله تعالى في آية اخرى: «وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (وهم الّذين استحقّوا رحمته بإيمانهم وأعمالهم الصالحة) وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ».[١] (وهم الأشقياء الأذلّاء الّذين استوجبوا الذلّ والهوان لأنفسهم، بما أعرضوا عن ذكر اللّه ونسوا لقاء يومهم هذا).
إذن ليست السعادة والشقاء في الآية من النوع المصطلح المبحوث عنه. وإنّما هما بالمعنى الثاني الذي قدّمنا شرحه، ولاصلة بينه وبين مسألة الجبر والاختيار في شيء.
ودليلًا على ذلك ما جاء في تعقيب الآية بالذات: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا (أي ساء حظّهم ذلك اليوم) فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ، إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا (أي رجحت صفقتهم وحظّوا برحمته تعالى الخاصّة) فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ، عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ».[٢]
[١] - الشورى ٧: ٤٢- ٨.
[٢] - هود ١٠٦: ١١- ١٠٨.