التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
وللإجابة على الجانب الأوّل للسؤال نقول: لا شكّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكمات، مشتمل على آيات متشابهات. ولا محالة يقصده أهل الأهواء والأطماع الفاسدة سعيا وراء المتشابهات ابتغاء تأويلها وانحرافها إلى ما يلتئم وأهدافهم الباطلة، وقد جاء التصريح بذلك في نفس الآية: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ» فلولا وجود علماء ربانيّين في كلّ عصر ومصر ينفون عنه تأويل المبطلين- كما في الحديث الشريف-[١] لأصبح القرآن معرضا خصبا للشغب والفساد في الدين. فيجب- بقاعدة اللطف- وجود علماء عارفين بتأويل المتشابهات على وجهها الصحيح، ليقفوا سدّا منيعا في وجه أهل الزيغ والباطل، دفاعا عن الدين وعن تشويه آي الذكر الحكيم.
وأيضا- لو كانت الآي المتشابهة ممّا لا يعرف تأويلها إلّا اللّه، لأصبح قسط كبير من آي القرآن لا فائدة في تنزيلها سوى ترداد قراءتها، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «ويل لمن لاكها بين لحييه ثمّ لم يتدبّرها» وقال تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ».[٢]
ولنفرض أنّ الامّة- عند ما وقفت على آية متشابهة- راجعت علماءها في فهم تلك الآية، فأبدوا عجزهم عن معرفتها، فذهبوا والعلماء معهم إلى أحد الأئمّة خلفاء الرسول صلى الله عليه و آله فكان الجواب: اختصاص علمها باللّه تعالى، لكنّهم لم يقتنعوا بهذا الجواب فهبوا جميعا إلى حضرة الرّسول صلى الله عليه و آله ضارعين سائلين: ما تفسير آية أنزلها اللّه إليك لنتدبّرها؟ فإذا النبيّ صلى الله عليه و آله لايفترق عن آحاد امّته في الجهل بكتاب اللّه العزيز الحميد!
أو ليست الامم تسخر من امّة عمّها وعلماءها وأئمّتها ونبيّها (!) الجهل بكتابها الذي هو أساس دينها مع الخلود؟!
اللّهمّ إن هذا إلّا زعم فاسد وحطّ من كرامة هذه الامّة المفضّلة على سائر الامم بنبيّها العظيم وكتابها الكريم.
[١] - راجع: سفينة البحار، ج ١، ص ٢٠٤، مادة« أول».
[٢] - ص ٢٩: ٣٨.