التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٨ - مسألة السعادة والشقاء
إنّ اللّه تبارك وتعالى إنّما خلق العباد ليعبدوه وليختاروا طاعته على معصيته، ومن ثمّ أقدرهم على كلا الأمرين ويسّر لهم طرق الامتثال لتكون إطاعتهم عن اختيار وعبادتهم عن رغبة وإرادة، وهكذا كانت منحة الاختيار لحكمة التكليف والاختبار، إلّا أنّ من العباد من يستغلّ هذه المنحة الإلهية في أغراض مخالفة فيستعمل من قدرته وقواه، في اتّجاه معاكس لغرضه تعالى. فويل له من هذه الاستفادة السيّئة.
وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها: مارواه البزنطي عن الإمام عليه السلام فيما نقله من الحديث القدسي: «يا ابنآدم، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء (أي الإذن منه تعالى) وبنعمتي أدّيت إليّ فرائضي، وبقدرتي قويت على معصيتي، خلقتك سميعا بصيرا.
أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي ... الخ».[١]
وفي حديث الزنديق، سأل الإمام أبا عبداللّه الصادق عليه السلام فقال: أخبرني عن اللّه، كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين؟ قال: لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لأنّ الطاعة إذا لم تكن من فعلهم لم تكن جنّة ولا نار. لكنّه تعالى خلقهم ونهاهم، ليكونوا هم الّذين يطيعون ويعصون.
الزنديق: أليس العمل الصالح والعمل الشرّ من فعل العبد؟
الإمام: العمل الصالح يفعله العبد واللّه أمره به، والعمل الشرّ يفعله العبد واللّه نهاه عنه.
الزنديق: أليس فعل العبد بالآلة التي ركّبها اللّه فيه؟
الإمام: نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير، قدر بها على الشرّ الذي نهاه ... الخ.[٢]
وبعد فإليك من آيات السعادة والشقاء نماذج:
١- قال تعالى: «يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ».[٣]
زعمت الأشاعرة- وهم جبرية خالصة على ما أسلفنا-[٤] أنّ هذه الآية الكريمة تدلّ
[١] - قرب الإسناد، ص ١٥١؛ والبحار، ج ٥، ص ٤، رقم ٣.
[٢] - الاحتجاج، ص ١٨٦. راجع: البحار، ج ٥، ص ١٨- ١٩، رقم ٢٩.
[٣] - هود ١٠٥: ١١.
[٤] - راجع:« الجبريّة» فيما أثبتناه عن أبيالحسن الأشعري في قوله بالجبر.