التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٦ - مسألة السعادة والشقاء
ومسألة السعادة والشقاء بمعنى طيب النفس وخبثها، ومن ثمّ جاء في رواية اخرى: «من شقاء العيش ضيق المنزل» أي من سوء الحظّ في الحياة أن تكون دار سكنى الإنسان ضيّقة.[١]
إذن فالسعيد- على هذا التفسير- هو صاحب الحظّ الوفير في هذه الحياة، والشقّي:
المحروم التعيس.
ونحن قد فسّرنا الحديث المأثور «الشقيّ من شقي في بطن امّه والسعيد من سعد في بطن امّه»[٢]- في بعض المجالات- بهذا المعنى الثاني.[٣] أي من قدِّر له الرفاه في هذه الحياة فإنّ مظاهره تبدو من حين انعقاد نطفته، فإنّه يُنْعَم برفاه في نفسه وفي امّه فتقضي دور حملها به في ارتياح ورغد من العيش الهنيء. أمّا التعيس المحروم فإنّ تعاسته لتسري إلى حالة امّه، لتقضي دور حملها في عناء وعطب وقلق نفسي واضطراب.
ولعلّ الإطلاق الأوّل من السعادة والشقاء، استعارة من هذا المعنى، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس، فالسعيد الطيب النفس مرفّه عليه نفسيا، إنّه يعيش في آفاق متّسعة الأبعاد، في طمأنينة من الحياة وارتياح. «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ»[٤] والشقي الخبيث يعيش في قلق وحرج واضطراب نفسي، في إطار ضيّق من الحياة الدنيا الحالكة، المليئة بالأكدار والأخطار.
أمّا السعادة والشقاء بالمعنى الأوّل، فلم يقدّر لأحد أن يكون شقيا أي خبيثا لأن اللّه تعالى لم يخلق أحدا للنّار، وإنّما خلقهم ليكونوا مؤمنين مطيعين، ولينعموا برضوانه في جنّة عدن محبورين. وإنّما يخبث من يخبث بسوء اختياره وانهماكه في شهوات دنيا ولذائذ وقتية سفلى، ثمّ تحيط به خطيئاته، وتحول دون نور عقله آثامُه، فيعمى قلبه ويعشى بصره ويصمّ اذنه، وأخيرا يفقد شخصيّته الإنسانية الكريمة. ومن ثمّ صحّ التعبير
[١] - مكارم الأخلاق للطبرسي، ص ١٢٥؛ ووسائل الشيعة، ج ٣، أبواب أحكام المساكن، ص ٥٥٧- ٥٦٠.
[٢] - بحار الأنوار، ج ٥، ص ١٥٧، رقم ١٠، نقلًا عن التوحيد.
[٣] - وللحديث تفسير آخر سيأتي في حديث ابن أبيعمير مع الإمام موسى بنجعفر عليه السلام.
[٤] - الرعد ٢٨: ١٣.