التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٩ - مسألة القضاء والقدر
وبحر عميق فلا تَلِجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه».[١]
٦/ ٣- وقال- أيضا-: «ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللّه، وحرز من حرز اللّه مرفوع في حجاب اللّه، مطويّ عن خلق اللّه، مختوم بخاتم اللّه، سابق في علم اللّه، وضع اللّه عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم».
هذا النهي الوارد في كلام الإمام عليه السلام ينظر إلى اولئك المستضعفين. ممّن تقصر أفهامهم عن الخوض في مسائل الوجود، وفي خلق أعمال العباد، فإنّه ربّما أفضى ذلك بهم إلى القول بالجبر، لما في ذلك من غموض ومزالق، تحتاج السلامة منها إلى دقّة ومعرفة كاملة، كان أبناء ذلك العهد يعوزونها البتة.
ومن ثمّ قال عليه السلام تعقيبا على كلامه المذكور: «لأنّهم لاينالونه بحقيقة الربّانية، ولا بقدرة الصمدانية، ولا بعظمة النورانية، ولا بعزّة الوحدانية. لأنّه بحر زاخر موّاج، خالص للّه عزّوجلّ، عمقه مابين السماء والأرض، عرضه مابين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيّات والحيتان، تعلو مرّة وتسفل اخرى».
ثمّ قال: «في قعره شمس تضيء، لاينبغي أن يطّلع عليها إلّا الواحد الفرد» أي إلّا الأوحدي من الناس ممّن وقف على حقيقة الدين وعرف اسسه المحكمة.
وهذا دليل على أنّ النهي عن الولوج فيه إنّما كان لمعرفته عليه السلام قصور أهل زمانه في إدراك أمثال هذه الحقائق العليا.
وأخيرا ندَّد عليه السلام باولئك القاصرين ما لو حاولوا التكلّف في مسألة القدر. فقال: «فمن تطلّع عليها» أي حاول التطلّع على تلك الشمس التي هي شمس الحقيقة، وهو ليس من أهلها «فقد ضادّ اللّه في حكمه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سرّه وستره، وباء بغضب من اللّه، ومأواه جهنّم وبئس المصير».[٢]
٧/ ٤- وعن ابناذينة قال: قلت للإمام الصادق عليه السلام: جعلت فداك، ماتقول في القضاء
[١] - شرح نهج البلاغة، الحِكَم، رقم ٢٨٧.
[٢] - التوحيد للصدوق، ص ٣٨٣- ٣٨٤؛ والاعتقادات، ص ٣٤- ٣٥؛ والبحار، ج ٥، ص ٩٧.