التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - مسألة القضاء والقدر
قوله: «وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً»[١] أي جعله على نمط خاصّ وعيّن شرائطه ومبلغ استعداده من حظّ الوجود. وهو الذي نعبّر عنه بالهندسة، أي هندسه هندسة كاملة.
ومنه ليلة القدر التي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، إذ فيها تقدّر الأشياء التي ستجري طول ذلك العام. «وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ»[٢] في تعاقبهما وطولهما وقصرهما على مرّ الأيّام والدهور. وهكذا قوله: «قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ»[٣] أي تعيّنت فيها مقادير السير ليل نهار.
وأمّا قوله تعالى: «إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ»،[٤] فقد تقدّم أنّ المعنى: علمنا من شأنها أنّها من الباقين الهالكين.
ويتلخّص معنى «القدر» في «تقدير الشيء وهندسته هندسة تامة».
وعلى ضوء هذا البيان نستطيع تلخيص القول في مسألة القضاء والقدر بما يلي:
«إنّه تعالى إذا تعلّقت إرادته بخلق شيء وتكوينه أو تشريع حكم ونفاذه، فإنّه يقدّره أولًا تقديرا، ثمّ يقضي بوجوده وينفذه تنفيذا». ومن ثمّ فكان الأجدر أن يقال القدر والقضاء. لأنّ القدر- على هذا البيان- متقدّم على القضاء والنفاذ.
وعليه فقضاء اللّه بالنسبة إلى أفعاله الخاصّة، هو خلقها وإيجادها تكوينا: «إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٥] وبالنسبة إلى أفعال العباد هو أمره وإلزامه تكليفا: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»[٦] أي أمر تكليفا وأوجب ذلك. «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ».[٧] أي حكم وشرّع. فالمؤمن تجاه أحكام الشريعة مستسلم لا رأي له سوى الطاعة والامتثال. وهذا لايعني سلب قدرته وإنّما هو بعث على التسليم المحض.
وهكذا قدره تعالى هو تقديره لما يريد إنفاذه من خلق أو تشريع. أي علمه بما يحتوي عليه من صلاح أو فساد، فيوجده تكوينا أو يأمر به تكليفا، وفق ذلك الملاك
[١] - الفرقان ٢: ٢٥.
[٢] - المزّمّل ٢٠: ٧٣.
[٣] - سبأ ١٨: ٣٤.
[٤] - الحجر ٦٠: ١٥.
[٥] - آلعمران ٤٧: ٣.
[٦] - الإسراء ٢٣: ١٧.
[٧] - الأحزاب ٣٦: ٣٣.