التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - الختم والطبع
تلك آيات الطبع، وقد أسنده تعالى إلى نفسه، نظرا لأنّ اللّه تعالى هو الذي أقدرهم على ذلك، وجعل لهم الاختيار في الرفض والقبول، تحقيقا لحكمة التكليف والاختبار، حسبما تقدّم تفصيله. وفي الحقيقة إنّه إخبار عن واقعية سوداء هم عملوا في تكوينها وفي تمهيد أسباب وجودها، بما أعرضوا عن ذكر اللّه ونسوا الآخرة. وفي الآيات ما يشفّ عن هذا الجانب السلبي في ذوات أنفسهم، كان هو السبب العامل لتكوين الحالة المذكورة.
وعلى نفس المنهج تعابير اخر، كالرين على القلوب، والأكنّة عليها، والحؤول دونها، وتقليبها، وإغفالها، وتعميتها، وما أشبه من مثل كونها غلفا أو مقفّلة أو محتجبة أو مريضة أو زائغة ... الخ، كلّها تعابير عن تلكم القسوة والجفاء التي انطوت عليها قلوب جاحدة ماتت حيويّتها ووقفت نبضاتها عن الفعّالية والإدراك الإنساني النبيل. ومن ثمّ جاء التعبير بالأموات وبالخشب المسنّدة من الجماد أيضا فضلًا عن التعبير عنهم بالحيوانات البهم:
«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ».[١] وفيما يلي عرض نماذج من تلكم الآيات مضافة إلى ماسبق:
١٥- قال تعالى: «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً».[٢]
١٦- وكذا في سورة الإسراء، الآية رقم ٤٦.
١٧- وقال: «إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً».[٣]
والدليل على أنّها تعابير كنائيّة وإخبار عن واقعية سوداء هم اكتسبوها، قوله تعالى- حكاية عن أنفسهم-:
١٨-: «وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ».[٤] هذه الآية مسبوقة بقوله تعالى: «فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ»، وملحقة بقوله: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
[١] - المدّثّر ٥٠: ٧٤- ٥١.
[٢] - الأنعام ٢٥: ٦.
[٣] - الكهف ٥٧: ١٨.
[٤] - فصّلت ٥: ٤١.