التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - الختم والطبع
إليه، وتعاف استماعه- كأنّها مستوثق منها بالختم. وأبصارهم- لأنّهم لا تجتلي آيات اللّه المعروضة، ودلائله المنصوبة، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين- كأنّما غطّي عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأمّا التمثيل، فأن تمثّل- حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلّفوها، وخلقوا من أجلها- بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها، بالختم والتغطية.[١]
وقال البيضاوي: الختم الكتم، سمّي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه، لأنّه كتم له والبلوغ آخره، نظرا إلى أنّه آخر فعل يفعل في إحرازه. والغشاوة فعالة من غشاه إذا غطّاه، بنيت لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة.
قال: ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنّما المراد بهما: أن يحدث في نفوسهم هيأة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات، بسبب غيّهم وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لاينفذ فيها الحقّ، وأسماعهم تعاف استماعه، فتصير كأنّها مستوثق منها بالختم. وأبصارهم لاتجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق، كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنّها غطّي عليها وحيل بينها وبين الأبصار. وسمّاه- على الاستعارة- ختما وتغشية. أو مثّل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها، بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها، ختما وتغطية.
قال: وقد عبّر عن إحداث هذه الهيأة بالطبع في قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ».[٢] وبالإغفال في قوله تعالى: «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا».[٣] وبالإقساء في قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً».[٤]
وقال:- في وجه نسبة ذلك إلى اللّه-: وهي من حيث أنّ الممكنات بأسرها مستندة إلى اللّه تعالى، واقعة بقدرته، أسندت إليه. ومن حيث أنّها مسبّبة ممّا اقترفوه- بدليل قوله
[١] - الكشّاف، ج ١، ص ٤٨- ٤٩.
[٢] - النحل ١٠٨: ١٦.
[٣] - الكهف ٢٨: ١٨.
[٤] - المائدة ١٣: ٥.