التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - الاستهزاء والخديعة
قال تعالى: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ»[١] أي يفعل بهم فعل المخادع حسبما تقدّم في كلام الزمخشري.
وقال تعالى: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ».[٢] «قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ».[٣] وهذه السخرية المماثلة يفسّرها قوله تعالى: «فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ».[٤] فقد كان الكفّار يستهزؤون من المؤمنين، قيامهم بتكاليف وأعمال عبثية- حسبما كانوا يرون- لكنّهم أصبحوا موضع سخريّة المؤمنين بما فاجأهم من العذاب المهين.
وقال تعالى: «كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ».[٥] أي دبّرنا له أسباب النجاح والموفّقية بما كان يخفى على إخوته، وقد حاولوا أن يكيدوا به كيدا، غير أنّ محاولتهم فشلت فأصبحوا من الصاغرين.
وقال تعالى: «وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ».[٦] أي دبّروا وقدّروا ودبّرنا وقدّرنا وهم لايشعرون أنّ لهم الصفقة السفلى الخاسرة، وأنّ يد اللّه هي العليا. «قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً».[٧] «وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ».[٨] «وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».[٩]
وقوله تعالى: «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها».[١٠] اللام فيها للعاقبة. أي إنّ المجتمعات البشرية غير المهذّبة تجعل من الناس طبقة أكابرهم يستغلّون موارد طبقة الأصاغر بحيل وتدابير شيطانية ظالمة، غير أنّ حياة الظلم بتراء، لايدوم معها عيش هنيء ويوشك أن يدور عليهم الرحى فينقلبوا هالكين. ومن ثمّ جاء تعقيب الآية بقوله: «وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ» ثمّ قال: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ
[١] - النساء ١٤٢: ٤.
[٢] - التوبة ٧٩: ٩.
[٣] - هود ٣٨: ١١.
[٤] - الأنبياء ٤١: ٢١.
[٥] - يوسف ٧٦: ١٢.
[٦] - النمل ٥٠: ٢٧.
[٧] - يونس ٢١: ١٠.
[٨] - فاطر ١٠: ٣٥.
[٩] - فاطر ٤٣: ٣٥.
[١٠] - الأنعام ١٢٣: ٦.