التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - الاستهزاء والخديعة
يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم النكال ويحلّ بهم من الهوان والذّلّ.[١]
ومن ثمّ جاء تفسير قوله تعالى: «وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ»[٢] في آية اخرى بهدم بنيانهم من الأساس، تجاه ما قاموا به من دسائس وخيانات، قال تعالى: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ»[٣] أي عاكستهم الواقعية، إذ «وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ».[٤] «وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».[٥] وقال تعالى موضّحا لموقفه مع المنافقين الماكرين: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ».[٦]
وأنت إذا قارنت بين قوله تعالى: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ».[٧] وقوله: «وَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً»[٨] عرفت- بوضوح- أنّ المقصود من مكره تعالى هي المعاملة بالمثل بما يناقض أهدافهم ويهدم أساس بنيانهم المنهار، وكانت التسمية من باب التشاكل في التعبير لاغير.
وكذلك «كيده تعالى» لايعدو الجزاء بمماثلة أعمالهم «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً»[٩] إنّهم يدبّرون المكائد المفضوحة العائد وبالها على أنفسهم بالذات، فربّما كان تعالى يستدرجهم بالنعم والموفّقية في شيء من دسائسهم، غير أنّ اللّه سوف يأخذهم أخذ عزيز مقتدر «أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ».[١٠] «ذلِكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ».[١١] «وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ».[١٢]
وقس على ذلك سائر الآيات التي جاء فيها ذكر الخداع والاستهزاء والسخرية والكيد والمكر، منسوبة إلى اللّه سبحانه. فإنّها تخرج جميعا على نسق واحد حسبما تقدّم.
[١] - الكشّاف، ج ١، ص ٦٦- ٦٧.
[٢] - آلعمران ٥٤: ٣.
[٣] - النحل ٢٦: ١٦.
[٤] - الأنعام ١٢٣: ٦.
[٥] - فاطر ٤٣: ٣٥.
[٦] - الأنعام ١٢٤: ٦.
[٧] - النحل ٢٦: ١٦.
[٨] - الرعد ٤٢: ١٣.
[٩] - الطارق ١٥: ٨٦- ١٧.
[١٠] - الطور ٤٢: ٥٢.
[١١] - الأنفال ١٨: ٨.
[١٢] - الأعراف ١٨٣: ٧ و القلم ٤٥: ٦٨.