التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - الاستهزاء والخديعة
قلت: في التعبير أوّلًا ب- «يخادعون»، وب- «يخدعون» ثانيا، نكتة لطيفة وهي: أنّهم يحاولون خداع اللّه والمؤمنين، لكنّهم لاينخدعون فتصبح محاولاتهم فاشلة، أمّا حقيقة الخديعة فإنّها تقع بهم بالذات، حيث أنّهم هم الّذين ينخدعون بما يتوهّمون من تأثير محاولاتهم الفاشلة.
إنّهم يدبّرون المكائد بالمسلمين ويبطنون كفرا في ظاهر إسلام، زاعمين أنّهم بهذه الأساليب الجهنّميّة سوف يعبرون بأهدافهم على عقول المؤمنين. غير أنّ اللّه يفضحهم بين آونة واخرى وتصبح مكائدهم تفشل واحدة تلو اخرى. أمّا عيشتهم فعيشة قلقة مضطربة، «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ».[١] أمّا المؤمنون ففي هناء من العيش آمنين مطمئنّين. كما أنّ أحكام الإسلام برمّتها تجري على المنافقين وعلى المؤمنين على سواء، في حين أنّ المؤمنين يقومون بها عن يسر ورحابة صدر، ويقوم المنافقون بها عن كراهية وعن مشقّة شديدة حيث فقد العقيدة الميسّرة للتكاليف. «وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى».[٢] «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إلّا وَهُمْ كارِهُون».[٣]
والخلاصة: إنّ المنافق المراوغ يحاول الخداع بالمؤمنين، ويقوم بأساليب هو يزعمها خدّاعه، غير أنّ الواقعيّة تعاكسه ويكون هو المنخدع بالذات:-
أوّلًا: لأنّ دسائسه تفتضح على الملأ ويعود وبالها عليه في نهاية المطاف «وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».[٤]
وثانيا: لأنّه متحمّل صعوبة التكليف مع فقد العقيدة الميسّرة.
وثالثا: عيشته القلقة لايغمض جفنيه عن ارتياح نفسي أبدا، خوف الفضح وانكشاف واقعه الخبيث.
وهكذا صحّ التعبير بالاستهزاء لهم. إنّهم يحاولون الاستهزاء بالمؤمنين غير أنّ اللّه هو الّذي يستهزئ بهم بإقرارهم على إسلامهم الظاهري فيحمّلهم تكاليف الإسلام الشاقّة
[١] - المنافقون ٤: ٦٣.
[٢] - النساء ١٤٢: ٤.
[٣] - التوبة ٥٤: ٩.
[٤] - فاطر ٤٣: ٣٥.