التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٧ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
زعمت الأشاعرة دلالة الآية على نفي القدرة. أي ليعلم أهل الكتاب أنّهم غير قادرين على الاهتداء إلّا أن يشاء اللّه.
قلنا: فسّرت الآية على ثلاثة وجوه:
الأوّل: أن تكون «لا» زائدة وضمير الجمع في «أن لايقدرون» يعود على أهل الكتاب، أي ليعلم أهل الكتاب أنّهم لايقدرون على احتجاز شيء من رحمته تعالى «وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» ممّن استحقّه ومهدّ لذلك الأسباب.
وهذا كبح صارم لما كان أهل الكتاب يتشدّقون به من اختصاصهم بفضله تعالى:
«وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا».[١] «وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى».[٢] فالفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده، غير مقصور على قوم ولا محجور لطائفة، ولا محدود ولا قليل «وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».[٣]
الثاني: أن يعود ضمير الجمع إلى المؤمنين، أي إنّما وعدنا المؤمنين كفلين من رحمتنا لئلّا يعتقد أهل الكتاب أنّ المؤمنين لايقدرون على شيء من فضل اللّه. وعليه ف- «لا» أصلية. فمفاد الآية على ذلك هو إثبات قدرة المؤمنين على تحصيل فضله تعالى ورحمته بفعل الأسباب الموجبة لها.
الثالث: إنّه نفي لليأس والقنوط الّذي كاد يعتور أهل الكتاب ممّن لم يؤمنوا، فحسبوا من أنفسهم الابتعاد عن رحمته تعالى حيث غضب عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
فجاءت الآية مسلّية وباعثة في نفوسهم الرجاء والأمل في فضله تعالى، وأنّ المجال أمام الراغبين في شمول رضوانه تعالى واسع، حيث الأسباب المؤاتية لذلك موفورة بالدخول في حوزة الإسلام والرضوخ لتكاليفه القيّمة.
[١] - البقرة ١٣٥: ٢.
[٢] - البقرة ١١١: ٢.
[٣] - الحديد ٢٩: ٥٧.