التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
«وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ».[١]
١٩١- «وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ».[٢] تآمر قوم صالح على أن يبيّتوه وأهله ويقتلوهم عن آخرهم، ثمّ يقولوا لوليّه: ما شهدنا مهلك أهله![٣] لكنّهم قبل أن ينفذوها قد أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين[٤] «فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ».[٥] «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ».[٦]
وعليه فكان قوله تعالى: «وَ مَكَرْنا مَكْراً» من باب التشاكل في التعبير، على سبيل الاستعارة. كما في قوله: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ».[٧]
١٩٢- «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ».[٨] قد تقدّم[٩] أنّه كناية عن تلكم القسوة والجفاء التي انطوت عليها قلوبهم القاسية. ومن ثمّ عقّبها بقوله: «إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ». فلا يعدو مثل التعبير استعارة وتشبيها، وإلّا كان إعذارا لهم لا توبيخا واستنكارا!
١٩٣- وهكذا الآية بعدها: «وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ، إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ».[١٠]
إنّه عمى القلب حجز دون رسوخ الوعظ فيه، وإنّما تؤثّر دعوة النبيّ صلى الله عليه و آله في من لان قلبه واستسلم لقيادة الناصحين.
إنّ أمثال هذه التعابير تسلية للنبيّ صلى الله عليه و آله ورفع لمسؤوليّته عن التأثير والاتعاظ. وإخبار
[١] - إبراهيم ٢٢: ١٤.
[٢] - النمل ٥٠: ٢٧.
[٣] - من الآية قبلها ٤٩.
[٤] - من الآية ٧٨ من سورة الأعراف.
[٥] - الصافات ٩٨: ٣٧.
[٦] - النمل ٥١: ٢٧.
[٧] - المائدة ١١٦: ٥.
[٨] - النمل ٨٠: ٢٧.
[٩] - برقم ١٨٠ الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
[١٠] - النمل ٨١: ٢٧.