التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
فنزلت الآيات ردعا لاذعا لمثل هذا الاقتراح المنافق، وتيئيسا قاطعا لأمل المشركين، فلا يطمعوا في رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهو داعية التوحيد الخالص، ونبذ الشرك وعبادة الأصنام قطعا في جذورها. فلا يجامل فيما يناقض دعوته إلى اللّه وحده لاشريك له.[١]
ذكر الشيخ أبوعلي الطبرسي وجوها في سبب نزول الآيات، منها: أنّ قريشا أتوا النبيّ صلى الله عليه و آله فقالوا له: كفّ عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا[٢] واطرد هؤلاء العبيد والسقّاط[٣] الّذين رائحتهم رائحة الصنان[٤] حتّى نجالسك ونسمع منك. فطمع النبيّ صلى الله عليه و آله في إسلامهم إن وافقهم على بعض ما يقولون. فنزلت الآيات ردعا له صلى الله عليه و آله فلا ينبغي لنبيّ أن يجامل في دينه أو يداهن أحدا في مقترحه المخالف لأُصول التعليم الديني الحنيف.[٥]
وهذا التشديد في لحن الآيات يستهدف قطع أمل المشركين في أيّ مساومة مع النبيّ صلى الله عليه و آله قطعا صارما. كما هو تهديد صريح بمن يهمّ مجاملة مع أعداء الدين أيّا كان وأيّا كانوا، من باب «إيّاك أعني واسمعي ياجارة» كما ورد في حديث الإمام علي بنموسى الرضا عليه السلام مع المأمون- الخليفة العباسي- بشأن عصمة الأنبياء عليهمالسلام فذكر الآية، وقال: هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي ياجارة، خاطب اللّه تعالى بذلك نبيّه والمراد به امّته.[٦]
١٥٠- «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً».[٧] هذه الآية كآية البقرة «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» اختصاص من جانب القابل لا الفاعل. إنّ في القرآن شفاء ورحمة لُاولئك الّذين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتّحت لتلقى ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان. أمّا المنهمكون في كبرياء الشقاق واللجاج، فلا
[١] - راجع: الجزء الأوّل من كتابنا« آيات مستثنيات من سورة الإسراء- ٦ و ٧ و ٨».
[٢] - الأحلام: جمع الحلم- بكسر الحاء- وهو العقل.
[٣] - السقاط: جمع الساقط- كطلاب وطالب- بمعنى المبتذل الفاقد للشخصية الاجتماعية.
[٤] - الصنان- كغراب- ذفر الإبط، والنتن عموما.
[٥] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٣١. وإنّما اخترنا هذا الوجه- وهو ثاني وجوه خمسة ذكرها الطبرسي- لقوّته وموافقته مع ظاهر القرآن. والتئامه مع موقف النبيّ صلى الله عليه و آله المعصوم من الخطأ والزلل لا في عقيدته ولا في سلوكه إطلاقا.
[٦] - راجع: الصافي في تفسير القرآن، ج ١، ص ٩٨٣ نقلًا عن العيون. وهكذا عن الكافي الشريف وغيره.
[٧] - الإسراء ٨٢: ١٧.