التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - معني شقي و سعيد
والوجه الثاني: أن يكون قوله تعالى: «أَمَرْنا مُتْرَفِيها» من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله تعالى: «وَ إِذا أَرَدْنا» ويكون تقدير الكلام: وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها. وتكون «إذا» على هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه. ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنّة: «حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ».[١] ولم يأت ل- «إِذا» جواب في طول الكلام، للاستغناء عنه.[٢]
ويشهد بصحّة هذا الجواب قول الهذلي:
|
حتّى إذا أسلكوهم في قُتائِدَةٍ |
شَلًاّ كما تطردُ الجمّالَةُ الشُّرُدا[٣] |
|
فحذف جواب «إذا» ولم يأت به، لأنّ هذا البيت آخر القصيدة.[٤]
والوجه الثالث: أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا أو اتساعا[٥] أو تنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنّهم متى امروا فسقوا وخالفوا. وذكر الإرادة يجري هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كلّ جهة، وجاءهالخسران من كلّ طريق، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في مآكله، وتسرّع إلى كلّ ما تتوق إليه نفسه. ومعلوم أنّ التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل أيضا. لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران، ومن حال هذا الهلاك، حسن هذا الكلام، و استعمل
[١] - الزمر ٧٣: ٣٩- ٧٤.
[٢] - في حاشية الأمالي:« كان التقدير: إذا جاؤها حضروها وفتحت. أو همّوا بدخولها وما أشبه ذلك. واللّه العالم».
[٣] - هو لعبد مناف بنربع الهذلي في آخر قصيدة أوّلها:
ماذا يَغيرُ ابنتي ربعٍ عويلُهما لاترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قتائدة: موضع. والجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة والحمارة. وانتصاب« شلّا» على المصدر. ودلّ على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب« حتّى إذا سلكوهم» المنتظر.
و تلخيصه: حتّى إذا سلكوا بهم إلى هذا الموضع شلّوهم شلّا مثل مطاردة الجمال إذا تزاحمت على الماء. انظر: أدب الكاتب، ص ٤٢٤.
[٤] - في حاشية الأمالي:« جواب الشرط جزء لايتمّ المشروط دونه، فإذا حذف كان أهول للكلام، كقوله تعالى:« وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ». الرعد ٣١: ١٣. وكقول القائل:« لو رأيت عليّا بصفين». وكقولهم:« لو ذات سوار لطمتني».
[٥] - هذا بعينه اختيار الزمخشري ت ٥٢٨ الآنف، ولعلّه أخذه من الشريف المرتضى( ت ٤٣٦) عليه الرحمه.