التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٨ - معني شقي و سعيد
خصّ المترفين بذلك الأمر، لأنّ المترف هو المتنعّم. ومن كثرت نعم اللّه عليه، كان قيامه بالشكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرّة بعد اخرى، مع أنّه تعالى لايقطع عنهم تلك النعم، بل يزيدها حالًا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمرّدهم وابتعادهم عن الرجوع من الباطل إلى الحقّ، فحينئذ يصبّ اللّه البلاء عليهم صبّا.
ثمّ قال القفّال: وهذان التأويلان راجعان إلى: أنّ اللّه تعالى أخبر عباده أنّه لايعاجل بالعقوبة امّة ظالمة حتّى يعذر إليهم غاية الإعذار، الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال في قوم نوح: «وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً».[١] وقال: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ».[٢] وقال في غيرهم: «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ».[٣]
فأخبر تعالى أوّلًا أنّه لايظهر العذاب إلّا بعد بعثة الرسول.[٤] ثمّ أخبر ثانيا في هذه الآية أنّه إذا بعث الرسول أيضا فكذّبوا لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرّين على الذنوب، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال.
قال الإمام الرازي: وهذا التأويل الذي ذكره القفّال في تطبيق الآية على قول المعتزلة، لم يتيسّر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله.[٥]
وقال الجبائي: ليس المراد من الآية أنّه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقّوا، وذلك لأنّه ظلم وهو على اللّه محال. بل المراد من «الإرادة» قرب تلك الحالة، فكأنّ التقدير: وإذا قرب وقت إهلاك قرية، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، وهو كقول القائل:
إذا أراد المريض أن يموت إزداد مرضه شدّة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلّ جهة، وليس المراد: أنّ المريض يريد أن يموت، والتاجر يريد أن يفتقر، وإنّما يعنون أنّه سيصير كذلك، فكذا هاهنا.
وهذا الوجه الذي ذكره الجبائي هو الذي اخترناه، ومن ثمّ فإنّ مراجعة اختيارنا
[١] - نوح ٢٧: ٧١.
[٢] - هود ٣٦: ١١.
[٣] - الأعراف ١٠١: ٧.
[٤] - في قوله تعالى:« وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» قبل الآية المبحوث عنها.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢٠، ص ١٧٦.