التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٧ - معني شقي و سعيد
وأمّا الوجه الذي اختاره هو: فهو ما أشار إليه أخيرا من صرف الأمر إلى المجاز، قال- في قوله تعالى «وَ إِذا أَرَدْنا ...»-: وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلّا قليل، أمرناهم «فَفَسَقُوا» أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجاز، لأنّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لايكون، فبقي أن يكون مجازا. ووجه المجاز أنّه صبّ عليهم النعمة صبّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتّباع الشهوات فكأنّهم مأمورون بذلك، لتسبّب إيلاء النعمة فيه وإنّما خوّلهم إيّاها ليشكروا أو يعملوا فيهاالخير، ويتمكّنوا من الإحسان والبرّ، كما خلقهم أصحّاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشرّ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق. فلمّا فسقوا حقّ عليهم القول، وهوكلمة العذاب فدمّرهم.[١]
وأحسن من تكلّم في الآية على وجه يوافق مذهب الاعتزال: القفّال، فإنّه ذكر في تأويلها وجهين:
الأوّل: أنّه تعالى أخبر أنّه لا يعذّب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل، أي لايجعل علمه حجّة على من علم أنّه إن أمره عصاه، بل يأمره، فإذا ظهر عصيانه للنّاس فحينئذ يعاقبه. فقوله: «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها» معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم، أمرنا المتنعّمين المتعّززين- الظانّين أنّ أموالهم وأولادهم وأنصارهم تردّ عنهم بأسنا- بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني، على ما بلّغهم عنّي رسولي، ففسقوا. فحينئذٍ يحقّ عليهم القضاء السابق بإهلاكهم، لظهور معاصيهم.
والحاصل: أنّ المعنى: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنّهم لايقدمون إلّا على المعصية، لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرّد ذلك العلم. بل أمرنا مترفيها ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق، فحينئذٍ نوقع عليهم العذاب الموعود به.
الثاني: أن نقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها، لم نعاجلهم بالعذاب في أوّل ظهور المعاصي منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. وإنّما
[١] - راجع: الكشاف، ج ٢، ص ٦٥٤.