التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٦ - معني شقي و سعيد
من غيره. ومعنى قوله «فَفَسَقُوا فِيها»: فخالفوا أمر اللّه فيها وخرجوا عن طاعته. «فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ» يقول: فوجب عليها بمعصيتهم اللّه وفسوقهم فيها، وعيد اللّه الذي أوعد من كفر به وخالف رسله، من الهلاك بعد الإعذار والإنذار بالرسل والحجج. «فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً» يقول: فخربناها عند ذلك تخريبا وأهلكنا من كان فيها من أهلها إهلاكا.[١]
ولم يرتض الزمخشري هذا الوجه بإطلاق، وقال في ذلك كلاما دقيقا ننقله بنصّه:-
قال: «فإن قلت: هلّا زعمت أنّ معناه: أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت: لا، لأنّ حذف ما لادليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه! وذلك أنّ المأمور به إنّما حذف لأنّ «فسقوا» يدلّ عليه، وهو كلام مستفيض، يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ، ولايفهم منه إلّا أنّ المأمور به قيام أو قراءة. ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب.
ولايلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري، لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له ولايكون مايناقض الأمر مأمورا به، فكان محالًا أن يقصد أصلًا، حتى يجعل دالًاّ على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولامنوى، لأنّ من يتكلّم بهذا الكلام فإنّه لاينوي لأمره مأمورا به، وكأنّه يقول: كان منّي أمر فلم تكن منه طاعة.[٢]
كما أنّ من يقول: فلان يعطي ويمنع، ويأمر وينهى! غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت: هلّا كان ثبوت العلم بأنّ اللّه لايأمر بالفحشاء، وإنّما يأمر بالقصد والخير دليلًا على أنّ المراد: أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لايصحّ ذلك، لأنّ قوله: «فَفَسَقُوا» يدافعه، فكأنّك أظهرت شيئا وأنت تدّعي إضمار خلافه، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه».
[١] - جامع البيان، ج ١٥، ص ٤٣.
[٢] - هذا هو بالذات مقصود من يقدّر في الكلام« الطاعة» أي أمرته بشيء يستدعي طاعة، لكنّه خالف وعصى. ولايقصد« أمرته بنفس الطاعة». إذ الأمر بالطاعة يكون بلفظ« أطع» مسبوقا بأمر آخر تعلّق بشيء آخر. فالمأمور به في الآية لامقدّر ولامنوى، وإنّما المقصود مجرّد توجّه أمر إليهم بما يستدعي وجوب امتثالهم والقيام بما ألقى إليهم من وظائف وتكاليف، لكنّهم لم يمتثلوها وقاموا في مخالفتها ومعاكستها، كما في« دعوته فأبى» و« أمرته فعصى».