التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - معني شقي و سعيد
والجواب: أوّلًا- وقوع هذه الآية أثر الآية المتقدمة الصريحة في اختيار العباد وتحمّلهم المسؤولية، مما يحتّم توجيه هذا إلى مايلتئم مع قرائنها وإلّا لوجد معارضوا القرآن إلى اختلاف آياته سبيلًا.
قال الكعبي: إنّ سائر الآيات دلّت على أنّه تعالى لايبتدئ بالتعذيب والإهلاك، لقوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ».[١]
وقوله: «ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ».[٢] وقوله: «وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ».[٣] فكلّ هذه الآيات تدلّ على أنّه تعالى لايبتدئ بالإضرار. وأيضا ما قبل هذه الآية يدلّ على هذا المعنى، وهو قوله: «مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى».[٤] ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض. فثبت أنّ الآيات التي تلوناها محكمة، وكذا هذه الآية فيجب حملها على تلك الآيات. حملًا للمتشابه على المحكم.[٥]
وثانيا- للآية تأويل صحيح، وفي نفس الوقت منسجم مع ظاهر التعبير تمام الانسجام:
وذلك أنّ الإرادة في الآية ليست بمعنى أنّه تعالى قد يريد بقوم سوءا لا موجب له، فيعمد- لتبريره- إلى التماس حجج ومعاذير هو يتكلّفها ويمهد أسبابها![٦]
كلّا، بل الارادة- هنا- تعبيرعن واقعية محضة عملت في تكوين ذاتها عند توفّر شروط التحقّق والعوامل المستدعية للتكوين.
كقوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ
[١] - الرعد ١١: ١٣.
[٢] - النساء ١٤٧: ٤.
[٣] - القصص ٥٩: ٢٨.
[٤] - الإسراء ١٠٥: ١٧.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢٠، ص ١٧٥- ١٧٦.
[٦] - قال الفخر الرازي- وهو أشعري-: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على مذهبهم من وجوه: الأوّل- أنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثمّ توسّل إلى إهلاكهم بهذا الطريق. الثاني- أنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى إنّما خصّ المترفين بذلك الأمر، لعلمه بأنّهم يفسقون. وذلك يدلّ على أنّه تعالى أراد منهم الفسق. الثالث- أنّه تعالى قال:« فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ» بالتعذيب والكفر، ومتى حقّ عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم، لأنّ ذلك يستلزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا، وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال.