التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - لماذا في القرآن متشابه؟
وعلى هذا السبيل، لمّا نزلت الآية: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ»[١] لا نظنّ أنّ العرب فهمت منها الجوارح والأعضاء، نظير قوله تعالى: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ»[٢] لا يعني الجارحة المخصوصة كما زعمته المشبّهة من أصحاب الحشو، وإنّما عنى يد القدرة ونفي العجز عن التصرّف فيما يشاء تعالى. أمّا الأشعري ومن حذا حذوه فإنّهم قد انحرفوا في فهم هذا المعنى الظاهر، فأوّلوه إلى الجارحة، وقالوا إنّ للّه يدا ورجلًا وعينا ووجها وما إلى ذلك، وقوفا مع ظاهر الكلمة في القرآن.[٣]
والشواهد على هذا التحريف بظواهر القرآن كثيرة سنعرض نماذج منها في فصل قادم. ونذكر مدى تأثير تلكم المذاهب المبتدعة في تشويه ظاهر القرآن الكريم، من جرّاء تطاول أياديهم الأثيمة نحو هذا الكتاب الإلهي المقدّس، لغرض تلويثه! ولكن معاذ اللّه «وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ».[٤]
و سيأتي هذا الجانب من البحث بتوضيح أكثر إن شاءاللّه.
[١] - المائدة ٦٤: ٥.
[٢] - الإسراء ٢٩: ١٧.
[٣] - راجع: الإبانة، ص ٧٧ فما بعد، وغيرها من كتب القوم وهي كثيرة.
[٤] - التوبة ٣٢: ٩.