التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
تكوينية، أي لو شاء إلجاءهم على الإيمان لفعل، لكنّه تعالى أراد الاختبار في التكليف، ومن ثمّ أفسح لهم مجال الاختيار. وأمّا الهداية التشريعية فقد شاءها اللّه لكافّة النّاس «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ».[١]
١٠٤- «وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ».[٢] تقدّم (في «إرادة اللّه الحادثة») أنّ الإذن تعبير عن إرادته تعالى الحادثة، التابعة لإرادة العباد، سنّة اللّه التي جرت في الخلق، فما يريد العباد إيجاده فإنّ اللّه يأذن في تحقّقها وفق مايريدون، تحقيقا لاختيارية الأفعال، وليصحّ التكليف والاختبار.
ومعنى الآية، أنّ إيمان المؤمن متوقّف على مقدّمات يمهّدها اللّه تعالى بلطفه وتوفيقه، ولو لا توفيقه تعالى بدءا وختما، لم يستطع أحد أن يبلغ الهداية الحقّة، أو يهتدي إلى المحجّة البيضاء بين محتلكات المسالك في هذه الحياة «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ».[٣]
١٠٥- «ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ».[٤] قالت الأشاعرة: الآية تدلّ على أنّه تعالى هو الذي لم يقدر الكافر على الإيمان، فلم يستطع السمع ولا تمكّن الإبصار.
والجواب: أنّ هذه الآية توبيخ ولا توبيخ على العاجز. بل الذي حجز قلوبهم دون نفوذ الحقّ فيها، هو القسوة والجفاء الذي اكتسبته قلوبهم على أثر الخطايا والذنوب، فصدّهم عن ذكر اللّه «الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً».[٥]
ذلك أنّ المؤمن- حيث رغبته في الاهتداء- يستطيع أن يستمع إلى دلائل الهدى والإرشاد بسهولة ويسر. وأمّا الفاسق العاتي، فإنّ نفسه لاتطاوعه للإنصات إلى دعوة الحقّ، «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ».[٦]
[١] - فاطر ٢٤: ٣٥.
[٢] - يونس ١٠٠: ١٠.
[٣] - الأعراف ٤٣: ٧.
[٤] - هود ٢٠: ١١.
[٥] - الكهف ١٠١: ١٨.
[٦] - البقرة ١٧١: ٢.