التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - لماذا في القرآن متشابه؟
وجوه، تقول ويقولون. ولكن حاججهم بالسّنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا».[١]
انظر إلى هذه الآية الكريمة: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ»[٢] ربّما لم تكن العرب تخطر ببالها إرادة الرؤية بالعين، كما قال الزمخشري: سمعت مستجدية بمكّة، بعد ما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة، تقول: عُيَيْنَتِي نُوَيْظرة إلى اللّه وإليكم.[٣] ولم يختلج ببال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق إلى اللّه سبحانه، وإنّما كان قصدها الانقطاع إليه وتوقّع فضله ورحمته تعالى. وهكذا في الآية الكريمة نظرا إلى موقعية الحصر فيها. لكن الأشاعرة وأذنابهم من مشبّهة ومجسّمة جمدوا على ظاهر الآية البدائي وأصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتين العينين اللتين في الوجه.[٤]
وهكذا لمّا سمعت العرب قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ»[٥] ربّما لم تفهم منه سوى استقلاله تعالى بملكوت السماوات والأرض وتدبيره لشؤون هذا العالم، نظير قول شاعرهم:
|
ثمّ استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مهراق |
|
وقال آخر:
|
فلمّا علونا واستوينا عليهم |
تركناهم صرعى لنسرٍ وكاسر |
|
لكن الأشاعرة ومن ورائهم سائر أهل التشبيه، أبوا إلّا تفسيره بالاستقرار على العرش جلوسا متربّعا فوق السماوات العلى، وقد ينزل إلى السّماء الدنيا ليطلع على شؤون خلقه فيغفر لهم ويجيب دعاءهم، إذ لا يمكنه ذلك وهو متربّع على كرسيّه فوق السماوات.[٦]
[١] - نهج البلاغة، من الكتب والوصايا: رقم ٧٧، ص ٤٦٥.
[٢] - القيامة ٢٢: ٧٥- ٢٣.
[٣] - راجع: الكشاف، ذيل الآية، وأساس البلاغة، ج ٢، ص ٤٥٦، مادة« نظر».
[٤] - راجع: الإبانة لأبيالحسن الأشعري، ص ٢٥.
[٥] - يونس ٣: ١٠.
[٦] - راجع: الإبانة، ص ٦٩ فما بعد؛ ورسالة الردّ على الجهمية للدارمي، ص ١٣ فما بعد.