التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٢ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
تفسير الآية الكريمة. لكنّها في حقيقة الأمر متوافقة، إذا مادقّقنا النظر في فهم مسألة «الحيلولة» بالذات.[١]
٧- اختلفت الروايات المأثورة عن أئمّة المفسّرين السلف في تخريج الآية الكريمة وتأويلها الوجيه، وهي كثيرة نذكر منها نماذج:
أ- روى أبوجفر الطبري بإسناده عن ابنعباس: «يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر». وهكذا عن الضحاك:
«يحول بين الكافر وطاعة اللّه، وبين المؤمن ومعصية اللّه».
هذا النمط من الروايات تؤيّد مذهب الجبر، على ما أسلفنا من كلام الفخر الرازي.
وحيث لا إكراه في الدّين ولا إلجاء في التكليف، بصريح الكتاب وضرورة العقل الرشيد، فإنّ أمثال هذه الروايات ساقطة، ولا سيّما وإنّها غير مستندة إلى نصّ معصوم.
ب- وروى بإسناده عن مجاهد: «يحول بين المرء وقلبه حتّى يتركه لايعقل».
وهذا النمط يقرب من اختيارنا بالذات حسبما أسلفنا في خامس الوجوه. وهو أقرب المعاني إلى ظاهر اللفظ، وتناسبا مع دلائل وقرائن موجودة في نفس الآية.
ج- وروي عن السدّي: «يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلّا بإذنه تعالى».
د- وروي عن قتادة: «إنّه قريب من قلبه فيما يضمر، فلا يخفى عليه سرّ ولا إظهار ونحن أقرب إليه من حبل الوريد».
وحاول الطبري نفسه تعميما في مفاد الآية بما يجمع بين المعاني كلّها. قال: «والأولى بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إنّ ذلك خبر من اللّه عزّوجلّ، أنّه أملك لقلوب عباده منهم، وأنّه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتّى لايقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا، من إيمان أو كفر، أو يعي به شيئا أو يفهم إلّا بإذنه ومشيئته. وذلك أنّ الحؤول بين شيء وشيء إنّما هو الحجز بينهما، وإذا حجز- جلّ ثناؤه- بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه،
[١] - الميزان في تفسير القرآن، ج ٩، ص ٤٤- ٤٨.