التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٩ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
عنه لبّه فلا يكاد يفقه قولًا، ولا كان يدرك صلاحا عن فساد، وبذلك خرج عن حريم الإنسانية الكريمة، ليدخل في إطار البهائم البهم البكم الّذين لايعقلون.
وحصيلة البحث هي المقارنة التالية:-
«حال بينه وبين قلبه»، «ختم على قلبه»، «طبع على قلبه»، «جعل قلبه في غلاف»، «في غطاء»، «في غشاء»، «مرض قلبه»، «زاغ قلبه»، «انحرف قلبه»، «صرف اللّه قلوبهم» إلى أمثالها من تعابير كلّها تنمّ عن معنى واحد.
٦- ولسيدنا الطباطبائي قدسسره هنا محاولة اخرى في تعميم مفاد الآية الكريمة لتشمل غالبية المعاني المتقدّمة.[١] فقد فسّر الحيلولة بسيطرته تعالى على قلب كلّ إنسان، كما هو مسيطر على سائر أعظائه وجوارحه، بل وعلى كلّ موجود في هذا العالم الفسيح.
فهو تعالى يتصرّف في ملكه كيف يشاء، ويدع للإنسان تصرّفاته حسبما يشاء تعالى. فهو المتوسّط الحائل بين الإنسان وبين كلّ جزء من أجزاء وجوده وكلّ لازم من لوازم شخصيته. بينه وبين قلبه. بينه وبين سمعه. بينه وبين بصره. بينه وبين بدنه. بينه وبين نفسه. يتصرّف فيها بالإيجاد، ويتصرّف فيها بتمليك الإنسان ماشاء منها كيف شاء، فقد يعطيه ما يشاء وقد يحرمه مايشاء. وهكذا يفعل تعالى في سائر القوى المودعة في هذا الكون.
فاللّه تعالى أقرب إلى الإنسان من كلّ شيء، قلبه وسائر مايحوي عليه من أعضاء وجوارح، بل وما يرتبط به نوع ارتباط، لأنّهتعالى هو الحائل المتوسّط بينه وبين سائر الأشياء إطلاقا، فهو أقرب إليه منها جميعا. وإلى هذا المعنى- أيضا- أشار قوله تعالى:
«وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ».[٢]
قال: وإلى هذه الحقيقة يشير قوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ»[٣] فهو تعالى- لكونه مالكا لكلّ شيء، ومن جملتها الإنسان، ملكا حقيقيا، لامالك حقيقة سواه- كان أقرب إليه حتّى من نفسه ومن قوى نفسه التي يملكها الإنسان، لأنّه تعالى هو الذي ملّكه
[١] - وهكذا حاول أبوجعفر الطبري تعميم مفاد الآية. وفسّر الحيلولة بأنّه تعالى أملك لقلوب عباده منهم ... الخ فراجع: جامع البيان، ج ٩، ص ١٤٣، س ٢٣، وسننقل كلامه في نهاية الفصل برقم ٧.
[٢] - ق ١٦: ٥٠.
[٣] - الأنفال ٢٤: ٨.