التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
الحيوية الفعّالة، وأصبح جمادا لا حراك له في عالم الوجود الإنساني ولا فعّالية، وإنّما هو دابّة صمّاء، بدلًا من أن يمشي على أربع، يمشي على رجلين في صورة إنسان، قال تعالى: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ».[١] بعد قوله: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ».[٢] وقال: «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ»[٣] تطابقا مع آية الأنفال تماما!
قال تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ»[٤] فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن شرف الإنسانية، هبوطا إلى مهاوي البهيميّة والابتذال. «وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ».[٥]
والذي أرشدنا إلى هذا الاختيار هي دلائل وقرائن من نفس الآية:-
أولًا: التعبير بالحياة عن الدعوة، فيقابلها الموت في رفضها. وما هو إلّا موت القلب بسلب إدراكاته الإنسانية العليا التي فيها الحياة الحقيقية الكريمة. قال تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ».[٦] «فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ».[٧] «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ».[٨] هذه الأخيرة تتّفق في نظمها مع آية الأنفال شيئا ما.
ثانيا: القلب عضو شريف في الهيكل الإنساني البديع. ومن ثمّ يعبّر به عن واقع الإنسان الكريم تارة، وعن حيويّته النابضة بالفعّالية والوجود اخرى. وعن منشأ إدراكاته النبيلة الشاعرة بالمسؤولية ثالثة، وهكذا.
ومن ثمّ فإنّ المخالف لفطرته قد جعل من قلبه في غشاء أو في غلاف. أو مريضا ومنحرفا عن وضعه الأصيل أو مختوما بطابع يحجز دون بلوغ الهدى إلى مساربه، وهكذا يجعل القرآن القلب هو المركز الأوّل لقبول الهداية والتكليف، ويجعل من رفضها كأنّه لا
[١] - المدّثّر ٥٠: ٧٤- ٥١.
[٢] - المدّثّر ٤٩: ٧٤.
[٣] - الأنعام ١١٠: ٦.
[٤] - الحشر ١٩: ٥٩.
[٥] - الأعراف ١٧٦: ٧.
[٦] - النمل ٨٠: ٢٧.
[٧] - الروم ٥٢: ٣٠.
[٨] - الأنعام ٣٦: ٦.