التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٦ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
ورجّح كثيرٌ تفسير الآية بهذا المعنى. قال الزمخشري: وقيل: معناه إنّ اللّه قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، ويغيّر نيّاته ومقاصده، ويبدّل بخوفه أمنا وبأمنه خوفا. وبالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا، وما أشبه ممّا هو جائز على اللّه.
لكن التعبير بالقلب عن مشتهيات النفس تأباه فصاحة القرآن. القلب عضو شريف في الهيكل الإنساني، وقد جاء تعبيرا عن منبعث الإدراكات الإنسانية النبيلة «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ».[١] ومن ثمّ فإنّ المعرض عن ذكر اللّه قد ختم على قلبه، فلا يكاد يفقه شيئا.
نعم لوكان تعبير الآية هكذا «إنّ اللّه يحول بين المرء ونفسه» لاستقام هذا المعنى وصحّ تفسيرها بذلك من غير ريب.
٣- إنّ اللّه يحول بين المرء والانتفاع بقلبه بسبب الموت. يعني بادروا إلى التوبة والإنابة قبل فوات الفرصة، فإنّ الأجل يحول دون الأمل. والحياة فرصة ثمينة يتمكّن العبد فيها من إخلاص قلبه ومعالجة أدوائه وعلله، وردّه سليما كما يريده اللّه. فينبغي اغتنامها وإخلاص القلوب لطاعة اللّه ورسوله.
٤- كناية عن شدّة قربه تعالى من واقع الإنسان، فلا تخفى عليه نزعات ما في القلوب. يعلم سرّكم وجهركم وهو عليم بذاتالصدور. فلا يخفى عليه إضمار كفر أو نفاق وإن كان في الظاهر قد آمن بلسانه. «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ».[٢]
٥- والذي نرجّحه ونرتأيه هو معنى خامس يلتئم مع ظاهر الآية تماما: إنّها كناية عن إماتة القلب فلا يعي شيئا بعد فقدان الحياة.
|
لاتُعجبنّ الجهولَ حُلّتُه |
فذاك ميت وثوبه الكفن[٣] |
|
الإسلام دعوة إلى الحياة العليا السعيدة، وفي رفضها رفض للحياة وإماتة للقلب الذي هو منبعث الإدراكات الإنسانية النبيلة.
فإذا مات قلب إنسان فقد افتقد نابض
[١] - ق ٣٧: ٥٠.
[٢] - ق ١٦: ٥٠.
[٣] - الحلّة فاعل للفعل المنهي عنه والجهول مفعول به. ومعنى البيت: لايغترّ الجاهل بجمال ثيابه فإنّها لاتعدو كفنا على جسد ميّت لا روح فيه ولا حركة ولا إدراك.