التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٥ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».[١] وقال يعقوب منبّها لبنيه: «وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ».[٢] وفي الحديث المستفيض «إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها بكثرة الاستعداد».[٣] والآثار من هذا القبيل كثيرة جدا.
وهذا معنى لطيف ودقيق للغاية. غير أنّ تفسير الآية الكريمة بذلك ربّما لايلتئم وكونها تهديدا بموقف المشركين ممّن امتنعوا عن قبول الدعوة وعن إجابة الرسول.
٢- إنّ الآية كناية عن سلطانه تعالى في عالم الوجود، وإنّه المتصرّف فيه كيف يشاء لا رادّ لقضائه. «وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ».[٤] فهو تعالى أملك من كلّ إنسان لقلبه، الذي هو منبعث إراداته وقصوده في كلّ مايعمل أو يختار. فلا يغترّ أحد بزعم استقلاله في متصرّفاته يزاولها حسبما يريد. بل دون تحقّق الأهداف والبلوغ إلى مآرب الحياة، إرادة ربّ العالمين القاهرة، لايقع شيء ولا يتحقّق أمر إلّا بإذنه تعالى «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ».[٥] حسبما تقدّم في مسألة «الأمر بين الأمرين».
فإن كانت العصاة قد رفضوا الاستسلام لشريعة السماء رغبة في مباهج هذه الحياة وزخارفها الخلّابة، وكانوا يرون من قبول الحقّ خسارة لذائذ سفلى ومصالح وقتية زائلة، فإنّ العيش لايأمن معه الهناء، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فلا ينبغي لأيّ إنسان أن يأمن صروف الزمان وتقلّبات الأحوال، وهي تترى على هذه الحياة المتنغّصة بالأهوال والأكدار. الأمر الذي جعل من نفوس غير مؤمنة وغير معتمدة إلى ركن وثيق في توتّر نفسي وقلق دائم. «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».[٦]
وهذا المعنى يمثّله قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «عرفت اللّه بفسخ العزائم وحلّ العقود، ونقض الهمم».[٧]
[١] - آلعمران ٨: ٣. راجع: الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٨- ٩؛ ومصابيح الأنوار للسيّد شبّر، ج ١، ص ٤٢٤، رقم ٧٧.
[٢] - يوسف ٨٧: ١٢.
[٣] - راجع: عوالي اللآلي، ج ٤، ص ١١٨.
[٤] - الزمر ٦٧: ٣٩.
[٥] - البقرة ١٠٢: ٢.
[٦] - الرعد ٢٨: ١٣.
[٧] - شرح نهج البلاغة، الحِكَم، رقم ٢٥٠.