التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٣ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
بأنّ اختيارية الإرادة كملوحة الملح ذاتية، وأمّا غيرها فلابدّ أن تنتهي إليها، فراجع.
هذا جلّ محاولة الأشاعرة، وفي مقدّمتهم متفلسفوهم ولا سيّما إمام المشكّكين في التحريف بهذه الآية الكريمة. أمّا غيرهم ممّن تخلّوا عن تساويل الأشعري بالذات، أو كانوا في اتّجاه معاكس معهم في الرأي والاختيار، فلهم في تفسير الآية أنظار دقيقة، وربّما آراء ثمينة، نذكر منها الأهم:-
[آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال]
١- إنّ من سنّة اللّه الحيلولة بين المرء وقلبه، الذي هو مركز الوجدان والإدراك، ذي السلطان على إرادته وعمله. وهذا أخوف مايخاف منه المتّقي على نفسه، إذا غفل عنها وفرّط في جنب ربّه. كما أنّه أرجى مايرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح اللّه فيها.
فهذه الجملة أعجب جُمَل القرآن. ولعلّها أبلغها تعبيرا، وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية، وعلم الصفات الربّانية، وعلم التربية الدينية، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرجاء.
فبينا زيد يسير على سبيل الهدى، ويتّقي طرق الضلالة الموصلة إلى مهاوي الردى، إذا بقلبه قد تقلب بعُصوفِ هوى جديد، يميل به عن الصراط المستقيم، من شبهة تزعزع الاعتقاد، أو شهوة يغلب بها الغيُّ على الرشاد، فيطيع هواه ويتّخذه إلهه من دون اللّه «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا».[١] على أنّه فيه مختار، فلا جبر ولا اضطرار.
ويقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه، أنّه كان منهمكا في شهواته ولهوه، تاركا لهداه وطاعة ربّه. فنزل يوما في زورق مع خلّان له في نهر دجلة للتنزّه، ومعهم النبيذ والمعازف فبينا هم يعزفون ويشربون، إذ التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن يرتّل سورة «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير والعظة. فاستمع له وأنصت، حتّى إذا بلغ قوله: «وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ»[٢] امتلأ قلبه خشية من اللّه وتدبّرا، لاطّلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه، فأخذ العود من العازف فكسره وألقاه في دجلة،
[١] - الفرقان ٤٣: ٢٥.
[٢] - التكوير ١: ٨١- ١٠.