التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
والجواب: أنّ الآية تبدأ بقوله تعالى: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ...».[١]
هذا تشبيه لحالة المشركين التعنّتية المتمرّدة، المتوغّلة في الغيّ والضلال، فلاينفعهم نصح الناصحين. إذ خطيئاتهم قد أحاطت بهم، فلا تدع مجالًا لتسرّب وعظ أو إرشاد في قلوبهم القاسية.
إنّ حالتهم السلبية أسوأ من حالة الدواب. إنّهم جعلوا من أنفسهم الصمّ البكم فهم لايعقلون شيئا أبدا. إنّهم منذ بدء أمرهم أخذوا في اتجاه معاكس لمنهج الهدى والصلاح، فخسروا عنايته تعالى وألطافه الخاصّة بالمؤمنين المسترشدين.
وخلاصة معنى الآية: إنّ هؤلاء الكفّار الملحدين قد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقّي والاستجابة فلم يفتح اللّه عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم، وما أفسدوا هم من فطرتهم، ولو جعلهم اللّه بحيث يسمعون دعوة الحقّ ويعون حقيقة مايدعون إليه، مافتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا من حقيقته.
«وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً» أي منفذا للحقّ الذي يدعون إليه «لَأَسْمَعَهُمْ» أي للطف بهم بعنايته الخاصّة «وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ» أي ولو جعلهم بحيث يفهمون حقيقة الدعوة، والحالة هذه، لارغبة لهم في الهدى، وتشمئزّ نفوسهم من ذكر اللّه، بسبب إفساد استعداداتهم الفطرية «لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ».
٨٠- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ، وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ».[٢]
هذه الآية الكريمة وقعت موضع نقاش حادٍّ بين أهل الجبر (الأشاعرة) وفريق الاعتزال. وهي من جلائل الآيات القرآنية وأدقّها تعبيرا عن موقف الدعوة الإسلامية الضافية، تجاه الحياة البشرية المليئة بالأكدار.
هذه الآية تجعل من شريعة اللّه نبضة الحياة العليا السعيدة، التي هي منشودة
[١] - الأنفال ٢٢: ٨- ٢٣.
[٢] - الأنفال ٢٤: ٨.