التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - لماذا في القرآن متشابه؟
ناظِرَةٌ»[١] فيها مجاز الحذف، أي إلى رحمة ربّها. كما في آية أُخرى نظيرتها: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ»[٢] أي أهل القرية. غير أنّ الاولى صارت متشابهة، لقصور أفهام العامّة عن إدراك مقام الالوهية، فحسبوا منها جواز رؤيته تعالى. أمّا الآية الثانية فلم تتوقّف في فهم حقيقتها، لأنّها في معنى محسوس.
ونظيرذلك قوله تعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ»[٣] دعا جهل العامّة بصفاته تعالى إلى فهم ساق له سبحانه، في حين أنّ استعارة الساق للشدّة عند العرب كان أمرا دارجا، قال شاعرهم: «وقامت الحرب على ساق»[٤] أي أخذت في شدّتها، فهم عندما يستمعون إلى هذا الشعر لا يتردّدون في فهم الحقيقة، إذ يعلمون أن لا رجل للحرب ولا ساق. أمّا في الآية الكريمة فيذهب وهمهم إلى وجود رجل له تعالى وساق، ومن ثمّ ذهب بعضهم إلى عقيدة التجسيم، تعالى اللّه عن ذلك.
وقد ذهب سيدنا الطباطبائي قدس سره أيضا إلى هذا الرأي، وذكر: أنّ سبب وقوع التشابه في القرآن يعود إلى خضوع القرآن- في إلقاء معارفه العالية- لألفاظ وأساليب دارجة، هي لم تكن موضوعة لسوى معاني محسوسة أو قريبة منها، ومن ثمّ لم تكن تفي بتمام المقصود، فوقع التشابه فيها وخفي وجه المطلوب، نعم، إلّا على اولئك الّذين نفذت بصيرتهم وكانوا على مستوى رفيع. قال تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً- إلى قوله- كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ».[٥] وهكذا القرآن تحتمله الأفهام على قدر استعداداتها، وفيه من المتشابهات ما تزول بتعميق النظر وإجادة
[١] - القيامة ٢٣: ٧٥.
[٢] - يوسف ٨٢: ١٢.
[٣] - القلم ٤٢: ٦٨.
[٤] - البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٨٤.
[٥] - الرعد ١٧: ١٣.