التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
كانت العرب تزعم من لوازم النبوّة هو العلم الذاتي بالغيب.[١] ومن ثمّ سألوا النبيّ صلى الله عليه و آله عن الساعة أيّان مرساها؟ فجاءهم الردع عن هكذا اقتراح جاهلي: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها (أي خبير بها) قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (هذا الاختصاص). قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً (في آجلها) وَ لا ضَرًّا، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (من صلاح كلّ إنسان) وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».[٢]
٧٧- «وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»[٣] أي النصر للمبدأ الحقّ وغلبة الحجّة الظاهرة، لايكون إلّا بتوفيقه تعالى وتسديده الخطى نحو الصواب.
والآية نزلت بشأن وقعة بدر، اولى غزوة في الإسلام، حيث خشي المسلمون ضعف جانبهم تجاه قوّة المشركين، فاستجاب اللّه لهم بالإمداد بألف من الملائكة مردفين. فكانت الغلبة مع المسلمين. وربّما ظنّ بعضهم أنّ الملائكة باشرت القتال، في حين أنّها نزلت لتبعث في نفوس المسلمين القوّة والاطمئنان ليقع النصر والظفر على يدهم هم. أمّا الملائكة فلم تكن سوى منبعث الثبات والاطمئنان النفسي للمسلمين. «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ».[٤]
إذن لم يكن الغرض من نزول الملائكة سوى بعث روح الإيمان في نفوس المسلمين وخلق البشرى في قلوبهم «وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» أمّا واقع النصر فكان من عند اللّه بتقوية إيمانهم وإلقاء الروع في نفوس المشركين «وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».[٥]
و الخلاصة: إنّ الّذين باشروا القتال هم المسلمون، وكاد الإحساس بالضعف يكسر
[١] - الأنبياء العظام والأئمّة الكرام عليهمالسلام إنّما يعلمون الغيب بالإفاضة من واهب الغيب« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ». الجنّ ٢٦: ٧٢- ٢٧.
[٢] - الأعراف ١٨٧: ٧- ١٨٨.
[٣] - الأنفال ١٠: ٨.
[٤] - الأنفال ١٢: ٨.
[٥] - الأنفال ١٠: ٨.