التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
وشائج الانحراف وحبّ التقليد الأعمى. إذ كيف يمكن لإنسان حرّ العقيدة والاختيار، وقد لمس الحقيقة ووجد الطريق إلى سعادة الحياة، أن يتركها وينعطف إلى مهاوي الضلال؟! «وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ».[١] ومن ثمّ قالوا: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ»!
نعم، إلّا أن يشاء اللّه العود ظاهريا، عن إكراه عليهم أو اتقاء شرور الأعداء. قال تعالى: «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً».[٢] ومن ثمّ أحالوا حكم ذلك إلى سعة علمه تعالى بمصالح الأُمور ودقيق حكمته في التكليف. «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً».[٣]
لكنّهم في واقع ضميرهم كانوا يتوقّعون النصرة من اللّه والنجاة الكاملة من براثن أهل الزيغ والضلال «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ». وكان اللّه قد وعد المؤمنين حقّا بالفتح والظفر في نهاية المطاف «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ».[٤] فكان منبعث قوّتهم في المقاومة تجاه أهل الشرك والإلحاد.
وهنا نكتة أدقّ: إنّ من أدب العبد العارف بموقف مولاه الجليل، أن لايقطع في أمر إلّا إذا علّقه على إرادة مولاه، حتّى ولو كان واقفا على جلي الأمر. وهكذا الأنبياء لم يبرموا في كلام قاطع إلّا وقد أحالوه على مشيئة اللّه جلّ شأنه. «وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ».[٥]
٦٨- «ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ».[٦] قالت الأشاعرة: إنّها دليل على أنّه تعالى هو الفاعل للحسنات والسيّئات، وإلّا لم يصحّ التبديل منه.
والجواب: أنّ السيّئة والحسنة- هنا- هو الجدب والرخاء، بدليل الآية قبلها: «وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ».[٧] والآية: بعدها:
[١] - الزمر ٣٧: ٣٩.
[٢] - آلعمران ٢٨: ٣.
[٣] - الأعراف ٨٩: ٧.
[٤] - المجادلة ٢١: ٥٨.
[٥] - الكهف ٢٣: ١٨- ٢٤.
[٦] - الأعراف ٩٥: ٧.
[٧] - الأعراف ٩٤: ٧.