التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
عليه حتّى صار كالطبع لهم. بدليل الآية بعدها: «وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ».[١] ولو كان ذلك من فعله تعالى لما صحّ هذا التعبير والتوبيخ اللاذع.
٤٥- «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى».[٢] تقدّم أنّ المشيئة هنا تكوينيّة. أمّا المشيئة التشريعية فقد شاء اللّه أن يكونوا جميعا على الهدى، حيث أرسل رسله إلى كافّة الناس ووجّه دعوته إلى الجميع.
٤٦- «وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».[٣] أي كأنّهم خشب مسنّدة لايعقلون شيئا ولا يهتدون. ومن ثمّ حرّموا توفيق هدايته تعالى التي خصّها اللّه لمن سعى إليه واستهدى لديه.
فهذا هو الذي يشاء اللّه أن يجعله على صراط مستقيم، أمّا الذي أعرض وتولّى فهو الذي يشاء اللّه أن يضلله أي يخذله، حيث هو مهّد لنفسه سبب هذا الخذلان «وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ».[٤]
٤٧- «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ»[٥] أي خذلكم وترككم في ظلمات الغيّ تعمهون، على أثر هذا اللجاج والعناد الذي اتخذتموه تجاه وضح الحقّ الصراح. وقد تقدّم الكلام في مثله.
٤٨- «وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا».[٦]
كان صلى الله عليه و آله يقرب فقراء المسلمين من نفسه ويلتزم مجالستهم، وقد شقّ ذلك على أشراف العرب، فألزمهم الإسلام بترك أمثاله هذه النزعات الجاهلية، وكان ذلك امتحانا لمبلغ رضوخهم لتعاليم الإسلام، غير أن جماعة ممّن تمكّن في قلوبهم حميّة الجاهلية الأُولى، ولم يستطيعوا الانقلاع عن حبائل الشيطان، كانوا لايزالون يترفّعون عن مجالسة فقراء المسلمين، ويقولون: أهؤلاء منّ اللّه عليهم بالإسلام وبالهدى من بيننا؟!
وعليه فاللام في الآية للعاقبة، لا للتعليل.
[١] - الأنعام ٢٦: ٦.
[٢] - الأنعام ٣٥: ٦.
[٣] - الأنعام ٣٩: ٦.
[٤] - غافر ٣١: ٤٠.
[٥] - الأنعام ٤٦: ٦.
[٦] - الأنعام ٥٣: ٦.