التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٨ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
٣٦- «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا».[١]
تقدّم أنّ الطبع والختم على القلوب كناية عن استفزازهم لقبول الحقّ، فكأنّهم وقبول الحقّ شيئان متنافران أحدهما عن الآخر.
وهي حالة جمود نفسي تحصل على أثر الانهماك في الفساد والإصرار على الكفر والطغيان «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ». ومن ثمّ علّل الطبع بكفرهم. وسنتكلّم عن الطبع والختم في فصل قادم.
٣٧- «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».[٢]
الإرادة- هنا- تشريعية. ومن ثمّ قد تتخلّف عن المراد، حسبما أسلفنا البحث عنها.[٣]
٣٨- «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً».[٤] قالت الأشاعرة: ومعلوم من قسوة قلوبهم أنّه بالكفر، فإذا كان اللّه قد جعلها قاسية فقد خلق فيها الكفر.
والجواب: أنّ هذا القساء والجفاء إنّما كان على أثر ذلك اللجاج والعناد مع الحقّ، وقد عبّر عن هذه القسوة في مواضع اخر من القرآن بالختم والطبع وفي غلاف وأمثال ذلك من تعابير، كلّها تنمّ عن حالة نفسية جافية كانت لليهود، هم أوجدوها لأنفسهم بعد إعراضهم عن الحقّ وإصرارهم على الباطل.
أمّا النسبة إلى اللّه فقد تقدّم أنّها باعتبار أنّه تعالى أقدرهم على رفض الحقّ كما أقدرهم على القبول، لحكمة التكليف والاختبار، فرفضوه باختيارهم، لا أنّه تعالى أجبرهم على الرفض أو أراد منهم الكفر، سواء بإرادة تكوينية أم بإرادة تشريعية. لأنّ ذلكيتنافى وتوجيه ذلك الإنكار والذمّ إليهم بالذات.
ومعنى الآية: أنّهم نقضوا الميثاق وخالفوا عهد ربّهم، فلعنهم وأبعدهم عن رحمته، ومن ثمّ قست قلوبهم فجعلوا يحرّفون الكلم عن مواضعه بهتانا وزورا.
[١] - النساء ١٥٥: ٤.
[٢] - المائدة ٦: ٥.
[٣] - راجع« إرادة تكوينية وإرادة تشريعية».
[٤] - المائدة ١٣: ٥.