التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - لماذا في القرآن متشابه؟
وهذا المنهج الذي انتهجه الفيلسوفان، في توجيه وجود المتشابه في القرآن، معالجة للقضية في بعض جوانبها، وهي الآيات المتشابهة المرتبطة مع مسألة المبدأ والمعاد، وليس علاجا حاسما للمادة من جذورها، إذ تبقى آيات الخلق والتدبير، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، والعدل والعصمة، وما شاكل، خارجة عن إطار هذا العلاج.
أمّا العلاج الحاسم لمادّة الإشكال في كلّ جوانب المسألة، فهو: أنّ وقوع التشابه في مثل القرآن- الكتاب السماوي الخالد- شيء كان لا محيص عنه، مادام كان يجري في تعابيره الرقيقة مع أساليب القوم، في حين سموّ فحواه عن مستواهم الهابط.
القرآن جاء بمفاهيم حديثة كانت غريبة عن طبيعة المجتمع البشري آنذاك، ولا سيّما جزيرة العرب القاحلة عن أنحاء الثقافات، في حين التزامه- في تعبيراته الكلامية- نفس الأساليب التي كانت دارجة ذلك العهد. الأمر الذي ضاق بتلك الألفاظ، وهي موضوعة لمعان مبتذلة وهابطة إلى مستوى سحيق، من أن تحيط بمفاهيم هي في درجة راقية وبعيدة الآفاق. كانت الألفاظ والكلمات- التي كانت العرب تستعملها في محاوراتها وتعابيرها- محدودة في نطاق ضيّق حسبما كانت العرب تألفه من معان محسوسة أو قريبة من الحس ومبتذلة إلى حدّما. فجاء استعمالها من قبل القرآن- الكتاب الذي جاء للبشرية على مختلف مستوياتهم مع الأبدية- غريبا عن المألوف العام.
ومن ثمّ قصرت أفهامهم عن إدراك حقائقها ماعدا ظواهر اللفظ والتعبير. إذ كانت الألفاظ تقصر بالذات عن أداء مفاهيم لم تكن تطابقها، ومن ثمّ كان اللجوء إلى صنوف المجاز وأنواع الاستعارات، أو الإيفاء بالكناية ودقائق الإشارات. الأمر الذي قرّب المفاهيم القرآنية إلى مستوى أفهام العامّة من جهة، وبعّدها من جهة اخرى، قرّبها من جهة إخضاعها لقوالب لفظية كانت مألوفة لدى العرب. وبعّدها حيث سموّ المعنى، كان يأبى الخضوع لقوالب لم تكن موضوعة لمثله، كما كان يأبى النزول مع المستوى الهابط مهما بولغ في إخضاعه. إذ اللفظ يقصر عن أداء مفهوم لا يكون قالبا له ولا يتطابقه تماما. هذا