التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
انظر إلى هذا التعبير الجافي، جعلوا من أنفسهم صخرة صمّاء وحجرا صلدا لايتأثّر بشيء. وإنّما هي تعابير كنائية عن تلك القسوة والجفاء العارم «وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ».[١] وقال تعالى- مخاطبا لأمثالهم في إنكار لاذع-: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً».[٢] ومن ثمّ ردّ عليهم هذا التبرير الكاذب بقوله تعالى:
«وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ».[٣]
وإنّما أسند تعالى الختم إلى نفسه، في حين أنّهم في آية اخرى جعلوه من ذات أنفسهم «قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ»، لأنّه تعالى بإقداره لهم على فعل كلّ من الطاعة والعصيان، تمهيدا لصحّة التكليف والاختبار، فقد مكّنهم على هذا الجموح وتلك المقاومة تجاه الحقّ.
وأيضا فإنّ خذلانه تعالى لهم ومنعهم شمول لطفه الخاصّ، على أثر استكبارهم عن قبول الهدى، جعله تعالى كأنّه هو الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة. قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ. وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً. فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ».[٤] فقد جاء في هذه الآية الختم والغشاء تفسيرا لإضلاله تعالى الذي هو خذلان وترك لهم في ظلمات لايبصرون. قال تعالى: «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً».[٥] والآيات يفسّر بعضها بعضا.
وأخيرا فلو كان اللّه هو ختم على قلوبهم فلا يؤمنون إلّا قليلًا، فما هو السبب المبرّر لتوجيه الملامة إليهم وذلك الاستنكار في قوله تعالى: «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ».[٦] وقوله: «وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا».[٧] إلى غيرهما من آيات؟!
[١] - الأنعام ٤٣: ٦.
[٢] - البقرة ٧٤: ٢.
[٣] - البقرة ٨٨: ٢.
[٤] - الجاثية ٢٣: ٤٥.
[٥] - الكهف ٢٨: ١٨.
[٦] - الانشقاق ٢٠: ٨٤.
[٧] - الإسراء ٩٤: ١٧.