التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
وجهالته، حتّى ولو كان هو السبب في غروره وكان قد عاند الحقّ ولم يعر اهتمامه لنصح الناصحين، إذ ليس من حكمة العقل أن يقوم الدليل بدفع التائه المغرور إلى مهاوي الهلكة بحجّة جموحه عن قبول النصح.
فلنفرض أنّ إنسانا معجبا بنفسه لم يستسلم لقيادة من كان يدلّه على الطريق، ولم ينصت لنصح من كان ينصحه، فجعل يسير على مضلّات الطريق ومتعرّجاته حتّى وقف على حافّة هاوية سحيقة حائرا في ضلاله. فهل يجوّز العقل حينئذ أن يعود الدليل فيدفع به إلى السقوط في فوهتها، أو يزلق برجله حتّى يقع هو في قعرها؟!
وإذا كان العقل لايجوّز أمرا فهو ظلم وقبيح، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. إذن لامحيص عن تفسير إضلاله تعالى بالخذلان والخيبة والحرمان، بمعنى ترك العتاة في ظلمات غيّهم يعمهون!
عرض آيات الهداية والضلال (التي وقعت موضع تشابه)
وبعد فلنتعرّض الآن لآيات ربّما وقعت موضع تشبّث أهل الجبر في الهداية والضلال، والإجابة عليها وفق ما أسلفنا من البيان:
١- قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ».[١] قالت الأشاعرة: لوكان المراد بالهداية الدلالة لكانت حاصلة لهم، فلم يكن لطلبها معنى، فوجب أن يكون المراد: نفس الإيمان أو القدرة عليه.
والجواب: أنّ للهداية مراتب متلاحقة لايقف المؤمن منها عند حدّ، فعلى أيّة درجة كان فإنّه يطلب المزيد والبلوغ لدرجة أعلى.
ولا نهاية لرحمته تعالى مع الأبدية «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً».[٢] «وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ مَرَدًّا».[٣]
وأيضا فإنّا قد بيّنا في التفسير: أنّ العبد يطلب من اللّه الاستقامة في جميع شؤون
[١] - الفاتحة ٦: ١.
[٢] - محمّد ١٧: ٤٧.
[٣] - مريم ٧٦: ١٩.