التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٦ - مزعومة الأشعري في الإلجاء
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»[١] على أنّه لامقدور إلّا واللّه عليه قادر، وأن يدلّ قوله تعالى:
«خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ»[٢] على أنّه لامُحدث مفعول إلّا واللّه مُحدِث له فاعل خالق ...».[٣]
ورمى أبومحمّد علي بنأحمد بنحزم الظاهري (ت ٤٥٦) القائلين بمثل هذه التفسيرات بالجهالة، قال: وقال بعض من يتعسّف القول بلا علم- معرضا بالأشعري- أنّ قول اللّه عزّوجلّ: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى».[٤] وقوله تعالى:
«إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ».[٥] وقوله تعالى: «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ»:[٦] إنّما أراد تعالى بكلّ ذلك المؤمنين خاصّة!
قال: وهذا باطل من وجهين، أحدهما: تخصيص الآيات بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل. والثاني: إنّ نصّ الآيات يمنع من التخصيص[٧] ثمّ أخذ في الاستدلال بآيات ردّا على تلك المزعومة.
قلت: ونحن قد أسلفنا- في مقدّمة الفصل- البحث عن الهداية والضلال وأن لاموقع للإلجاء مع التكليف، كما لاملامة ولاذمّ ولاعقاب ولا جزاء مع عدم الإرادة والاختيار، وأنّ للهداية مراتب: اولى ووسطى وقصوى، والوسطى اختيارية محضة واقعة بين هدايتين كانتا منحتين إلهيّتين. وبذلك استطعنا التوفيق بين الآيات الكريمة وله الحمد.
(ملحوظة) قد يقال: لامانع من حمل قوله تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ» على حقيقة الإضلال، من غير تأويله إلى معنى الخذلان والحرمان. وذلك لأنّه تعالى إنّما يزيد في ضلال العاتي المتمرّد عقوبة على استكباره وعناده مع الحقّ الصريح. فهي عقوبة اكتسبها العاصي بيده، فكان جديرا بهذا الجزاء المماثل «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها».[٨]
لكنّا إذا مالاحظنا نجد من إمداد التائه في تيهه- مهما كان السبب- قباحة يستنكرها العقلاء في الأوساط المتحضّره، ويستقبحون الإغراء بالجاهل المغرور، زيادة في غيّه
[١] - البقرة ٢٠: ٢.
[٢] - الفرقان ٢: ٢٥.
[٣] - راجع: اللمع، صفحات ٧٤ و ٧٨ و ٧٩ و ٨٨.
[٤] - فصّلت ١٧: ٤١.
[٥] - الإنسان ٣: ٧٦.
[٦] - البلد ١٠: ٩٠.
[٧] - الفصل في الملل والنحل لابن حزم، ج ٣، ص ٤٥- ٤٦.
[٨] - هذا ماقاله زميلنا العلّامة السيد مهدي الحسيني الروحاني رحمه الله والآية ٤٠ من سورة الشورى.